من رحم معاناة الحروب والحصار والأزمات السياسية والإقتصادية والكوارث الطبيعية، يُصرّ سكّان العاصمة اليمنية صنعاء، وهم خليط متجانس من جميع المحافظات، على اجتراح ساعات فرح مفعمة بالبهجة والسرور بمعية أطفالهم. طوال إجازة عيد الأضحى المبارك، هذا العام، كان لسكّان العاصمة صنعاء موعد لاستراق يوم جميل على ضفاف شلّال بني مطر، الذي يقع على بعد 50 كيلو متراً غرب العاصمة صنعاء، حيث اكتظّ المكان بآلاف الأسر الصنعانية الفارّة من صخب وضوضاء المدينة، وأخبار الحروب والدمار التي تتصدّر واجهات وعناوين قنوات التلفزة الإخبارية.
متنفّس وحيد
ماء عذب رقراق، ينحدر من مرتفع صخري، ويجري بكثافة بعد موسم الأمطار، وخضرة تكسو المزارع والتباب والجبال المحيطة بالشلال، ووجوه زائرة مبتسمة، تبحث عن الترفيه ومتعة التنزّه، تتمتّع بهواء نقي ومنظر بكر، واسترخاء نفسي وذهني، في متنفّس سياحي بسيط أحاطت به عوامل الطبيعة من كل اتّجاه، وتجاهلته خطط وزارات السياحة للحكومات المتعاقبة.
يقول عبد القادر حسّان (موظّف حكومي قصد الشلّال بعائلته) إن "شلّال بني مطر (إحدى مديريّات محافظة صنعاء) ربّما يكون المتنفس الوحيد لسكّان صنعاء"، مستشهداً، في حديثه لـ"العربي"، بـ"الزحام الشديد عليه خلال أيّام العيد، وأيّام العطل والإجازات الأسبوعية، مع أن الخدمات شبه معدومة"، ولذلك، يصف عبد القادر رحلته بأنّها "كانت ممتعة برغم بعض المعوّقات"، في حين ترى أم وليد (ربّة بيت) أنّ "شلّال بني مطر من الأماكن السياحية الرائعة بالعاصمة صنعاء"، ناصحة "من يرغب بالنزهة في هذه الأيّام يروح هناك".
قوارب بحرية في قمم جبلية!
وسط بحيرة مياه الشلّال، تتسابق قوارب طولاً وعرضاً، تقدّم خدماتها الترفيهية لزوّار المكان. ويتهافت مرتادو المكان على استئجار القوارب التي أضافت بعداً جديداً للموقع الجبلي، ومنحته تناغماً جغرافيّاً يجمع بين قوارب البحر وخرير مياه الجداول الجبلية. هذا التطوّر التلقائي الحاصل هناك دفع بأحد الزّوار، المهندس عبد الله المقطري، لأن يقصد الشلّال برفقة أفراد أسرته، اعتقاداً منه بأن "ظهور قوارب في بني مطر واحدة من علامات الساعة"، مبدياً، في الوقت نفسه، "سعادته هو وعائلته بقضاء يومهم في هذا المكان، وإن كان ينقصه الكثير".
منتجع طبيعي لا تعرفه وزارة السياحة
لا يبدو أنّ مخطّطات وزارة السياحة تعرف المكان، الذي بات، خلال إجازة عيد الأضحى المبارك هذا العام، بمثابة "كعبة" يحجّ إليها سكّان العاصمة صنعاء، بكثافة غير مسبوقة، "ربّما لزيادة ملحوظة في عدد سكّان أمانة العاصمة"، هكذا يفسّر حمدي عبد الجبّار (موظف حكومي) ارتفاع نسبة إقبال الزوّار على شلّال بني مطر، ويضيف، في حديث لـ"العربي"، أن "أمانة العاصمة استقبلت هذا العام مئات آلاف من النازحين من محافظات عدن وتعز ومأرب، وغيرها من المحافظات التي شهدت اضطراباً أمنيّاً"، ولذلك، يرى عبد الجبّار أن "الإزدحام طبيعي على ضفاف شلّال بني مطر"، وينصح بـ"محاولة توسعة المكان، وإيجاد وسائل ترفيه عصرية، وملاعب أطفال، واستراحات، بما يلبّي احتياجات زوّار الموقع الضرورية".
في تقرير حديث لها، تقول منظّمة "أوكسفام" الدولية للإغاثة إن أكثر من ثلاثة ملايين يمني اضطروا لمغادرة منازلهم في اليمن، خلال 18 شهراً من الحرب، وإن حياة ملايين اليمينيّين تتدهور سريعاً، وسبل بقائهم على قيد الحياة آخذة في النفاد، ما يعني أن احتشاد آلاف الأسر لقضاء يوم ممتع على ضفاف شلّال بني مطر، في مثل هذه الظروف، يُعدّ نوعاً من أنواع مقاومة ورفض الحروب، وانتصاراً لحقّ الإنسان في الحياة والإستمتاع بالمناظر الطبيعية الخلّابة.
وإذا كان على أهالي المنطقة وزوّار الشلّال المحافظة على نظافة المكان، وعدم رمي المخلّفات، من قوارير وأكياس بلاستيكية، وسط مياه البحيرة، فإن على السلطات المختصّة دوراً يلخّصه أحد زوّار الموقع بقوله "لو كان هذا المتنزّه الطبيعي في دولة أخرى، لجَعَلته منتجعاً سياحيّاً فريداً".
التعليقات