ما دامت أدوات الوصاية والقهر بالوكالة في اليمن قد التحمت علناً مع نظيرها الإقليمي السعودي ومشغّليها الأمريكان، بعد أن أطاحت بها ثورة الـ21 من أيلول، فإن العدوان العسكري الناجم عن هذا الإلتحام لا يستهدف ـ فحسب ـ القضاء على المتغيّر الثوري اليمني، بل وإجهاض جنين ثوري حتمي يتخلّق في أحشاء احتقانات نجد والحجاز، على صفيحة واحدة من الوصاية والإستلاب والقهر الإجتماعي والنزوع للإنعتاق ذاته.
بعدوانها على اليمن، تذود السعودية عن مجال نفوذ كيانها الوظيفي المهدّد بالإنقراض، ومن السخف تصديق أنّها تنفق تريليونات خزائنها المالية انتصاراً لـ"شرعية" العميل هادي، وخليط عملاء ومرتزقة الشتات الفندقي.
إن التحام نظراء الوكالة للغرب الإمبريالي في سدّة عدوان عسكري إقليمي واحد، بإسناد من مشغّليهم الدوليين، يقتضي، في المقابل، التحام النظراء بالأصالة عن آلامهم ومظلوميّاتهم من كائنات حضيض الإستلاب الآدمي، في خندق كفاح ثوري واحد.
على هذا المستوى، تبرز أهمّية خطاب السيد القائد عبد الملك الحوثي في "يوم الولاية" والذكرى الثانية لثورة 21 أيلول 2014م، الأسبوع الفائت، حيث وجّه السيّد جزءاً وازناً من هذا الخطاب إلى شعب نجد والحجاز، مستهدفاً كسر برزخ الوحشة الذي تستميت سلطات بني سعود في رفع مداميكه وجداره عالياً بين نظراء المظلوميّات في اليمن من جهة، والمملكة من جهة مقابلة، على غرار ما فعلته سلطة الوكلاء المحليّين خلال حروبها على صعدة، من عزل هذه الأخيرة عن بقية النسيج الإجتماعي اليمني إعلاميّاً، وتكريس صورة مفبركة بشعة عن "الحوثيّينط في الأوساط اليمنية.
"أنتم إخوة وأشقّاء لنا ونحن لا نستهدفكم"، قال السيد الحوثي لأبناء نجران وجيزان وعسير، الذين يُصنّفون رسميّاً على هامش المواطنة، في حين يجري فرز "إخوتنا في المنطقة الشرقية كمواطنين من الدرجة العاشرة"، على حدّ تقرير السيّد لواقع حال "رعايا المملكة".
"إن النظام السعودي ينشر العداوة والبغضاء بين أوساط الأمّة"، بوصفه عبداً طيّعاً للمصالح الأمريكية؛ ومن ثمّ فإن السيّد يتوجّه إلى عموم شعب الجزيرة العربية لإجلاء النوايا الحسنة إزاءهم، قائلاً "نحن لا نحمل لكم يا شعبنا في الجزيرة العربية إلّا كل محبّة وتقدير وخير ومستعدّون لمساعدتكم".
يدرك بنو سعود بغريزة اللصّ والجلاد أن أحد أبرز عوامل الزخم المتصاعد لعمليّات الجيش واللجان الشعبية في جنوب المملكة، يكمن في واحدية النسيج الإجتماعي وتجانس ظروف القهر والإقصاء التي عاشتها وتعيشها مجتمعات الشمال اليمني والجنوب السعودي تحت نير منظومتَي الوكالة في البلدين الجارين، لذا فإن استراتيجية المملكة منذ النشأة اعتمدت على تمزيق وتجريف هذه المجتمعات، وتوطين بدائل مستجلبة مكانها عبر التجنيس.
وخلال عدوان السعودية على اليمن في العام 2009 (الحرب السادسة)، قامت الرياض بترحيل آلاف الأسر الجيزانية والنجرانية الواقعة على التماس، بعد أن أوهمتهم بأن هذا الترحيل هو إجراء مؤقّت لظروف الحرب، ووعدتهم بعودة قريبة إلى مساكنهم وممتلكاتهم عقب الحرب، الأمر الذي لم يحدث بالمطلق حّتى اللحظة، إذ اكتشف الأهالي أن النزوح الظرفي لم يكن إلّا اجتثاثاً استهدف تأمين مسرح عسكري حدودي فسيح ميّت وخالٍ من البشر.
تحاول الرياض، اليوم، أن تفعل الشيء نفسه، مستهدفة تجريف أكبر مساحة جغرافية مأهولة، لكنّها تخفق إزاء ممانعة الأهالي الذين يرفضون بقوّة الوقوع في فخّ وقع فيه سابقوهم، فتشرّدوا بلا مأوى بعد أن تكشّف "مشروع عشرة آلاف وحدة سكنية"، وعدهم بها الملك المتوفّي عبد الله في 2009، عن محض سراب.
تودّ رياض بني سعود لو أنّها كانت مملكة بلا شعب، حتّى لا تجد نفسها يوماً ما في مواجهة ثورة، غير أن الرياح تجري بما لا تشتهي السفن في الغالب، ويوماً فيوماً تختمر عجينة الثورة وتتسرّب صرخة البراء إلى الحناجر والقلوب والجدران في جنوب المملكة، على إيقاع العدوان السعودي الأمريكي السافر الذي يفغر أشداقه لابتلاع الضفّتين؛ ضفّة ثائرة وتقاوم، وأخرى تتأهّب على وعد أن تثور، موقنة أن الفرائس المستسلمة لا تثير شفقة الجلاد، وأنّها لن تبقى منزوعة الأظافر إلى الأبد.
التعليقات