قبل ثلاثين عاماً من اليوم، عند منطقة البعالة، الواقعة في عزلة بني عامر بمحافظة البيضاء، وعبر طريق ترابية وعرة، كان مدير مكتب محافظة البيضاء، محمّد ناصر العامري، والضابط علي الجائفي، كمسؤولَين عن السلطة المحلّية والعسكرية، يستقبلان سويّاً مسؤول الإمداد والتموين العسكري في جيش "جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية" (سابقاً)، الضابط عبد ربه منصور هادي، هارباً من نيران الإحتراب والصراع السياسي المحتدم بين الرفاق في الجنوب، ضمن آخرين جرى إيواؤهم في معسكرات خاصّة، قبل نقلهم إلى مساكن العمارات الليبية في العاصمة صنعاء.
وبعد ثلاثين عاماً بالضبط على تلك الواقعة، تشاء الأقدار أن يعيد التاريخ نفسه. فقد نزح الرئيس عبدربه منصور هادي من صنعاء إلى عدن، هارباً من نيران الصراع السياسي المحتدم في اليمن كلّها. ومن لظى نيران عدن، طار هادي إلى حيث دفء فنادق الرياض وأبو ظبي، ليواصل المعركة من هناك ضدّ خصومه، طالباً من السعودية والإمارات تدخّلاً عسكريّاً. وتشاء الأقدار أن يلتقي ثنائيّ استقبال هادي عام 1986م (العامري والجائفي) في صالة عزاء السبت الأسود في 8 أكتوبر، لتعلن أسماؤهما على رأس قائمة ضحايا الغارة. وبذلك تبدو ملامح وجوه بعض آل العامري، أثناء تشييع جثمانه، كما لو أنّها تعيد صياغة قصّة مجير "أمّ عامر" الشهيرة في التراث العربي، بأدوات عصرية حديثة.
العامري والجائفي يستقبلان هادي نازحاً
عند منطقة الحمرة، الواقعة على أطراف حدود يافع، يروي الشيخ والنائب في البرلمان، حسين السوادي، لـ"العربي"، قصّة بتر قدم القائد الميداني في مواجهات مطلع السبعينيّات الحدودية، محمّد ناصر العامري، وذلك بعد إصابته بانفجار لغم أرضي هناك، نُقل على إثرها إلى العاصمة صنعاء لتستبدل قدمه بقدم صناعية من الخارج. يقول السوادي إنّه "كانت توكل للعامري الكثير من المهام المتعلّقة بخلافات الشطرين حينها، وكان يرأس اللجان المشكّلة من البيضاء"، مستذكراً بأن "العامري وعلي الجائفي كانا بالفعل يستقبلان النازحين من المحافظات الجنوبية، ويجهّزون لهم سكناً ملائماً".
ويشير السّوادي، الذي رافق العامري طويلاً، إلى أن الأخير "يُعدّ من أبرز القيادات السياسية العسكرية في البلد"، وأنّه "يتميّز بحضوره القوي وأدواره الهامّة، في كلّ المراحل والتحوّلات الوطنية".
العامري وهلال في انتخابات المحافظين
وإذا كانت الصدفة وحدها جمعت المسؤول الحكومي، عبد القادر هلال، كمهندس لمشروع انتخابات المحافظين ووزير للإدارة المحلّية، التي أُسندت إليها مهامّ إنجاز تلك الإنتخابات، والمرشّح المنافس بقوّة، محمّد ناصر العامري، الذي منح الإستحقاق نكهة خاصّة، فلعلّها الأقدار أيضاً شاءت رحيل الرجلين في قائمة واحدة بين ضحايا قصف القاعة الكبرى في 8 أكتوبر 2016م، بالعاصمة صنعاء.
فضمن 10 مرشّحين آخرين، أصرّ رئيس فرع "المؤتمر الشعبي العام" في محافظة البيضاء، محمّد ناصر العامري، على خوض الإنتخابات كمرشّح منافس مستقلّ، خلافاً لقرارات اللجنة العامّة لـ"المؤتمر"، التي أقرّت حينها تسمية أمين عام المجلس المحلّي في المحافظة، ناصر الخضر حسين علي السوّادي، مرشّحاً عن "المؤتمر الشعبي العام"، ليتغلّب عليه المرشّح المستقلّ، محمّد العامري، بحصوله على 220 صوتاً من أصل 362 مشاركاً أدلوا بأصواتهم. وبالتالي، يكون العامري أوّل مسؤول يمني يفوز بمنصب محافظ محافظة، في انتخابات يرى الشيخ حسين السوّادي، في حديثه إلى "العربي"، أنّها كانت "انتخابات تنافسية حقيقية، وشارك فيها 10 مرشّحين"، ولذلك فهو يعدّ العامري واحداً من "مؤسّسي الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، في مجتمع يغلب عليه الطابع القبلي وقضايا الثأر".
وعن العامري يتحدّث، بدوره، محافظ محافظة البيضاء، أحمد الطاهري الذي عمل موظّفاً مع الرجل، قائلاً إن "منزله كان مفتوحاً باستمرار لقضاء حوائج الناس، وكان السّباق لحلّ الخلافات القبلية وقضايا الثأر والصراع السياسي، وله بصمات واضحة في تثبيت قواعد الصلح العام بين القبائل، وتحقيق العديد من مشاريع التنمية في المحافظة في مجالات الطرق والكهرباء والتعليم والصحّة والسدود والمياه".
ويشير الناشط ناصر الحيّاني، من جهته، لـ"العربي"، إلى أن "العامري قدّم للرئيس هادي استقالته من قيادة المحافظة عام 2012م، إثر احتجاجات شبابية طالبت برحيله، غير أن هادي رفض ذلك قائلاً: معروفك دين في رقبتي، وليخرج عليك الشعب اليمني بالكامل ما تتغيّر، ليفاجأ بعد فترة قصيرة بقرار إقالته وتعيينه عضواً في مجلس الشورى"، في حين يلفت أحد مرافقي العامري إلى أنّه تفاجأ، أثناء مرض الرجل ورقوده في المستشفى السعودي الألماني بصنعاء عام 2012م بعد قرار إقالته، بزيارة من وصفهم بـ"شباب الساحات"، الذين كانوا خرجوا في مظاهر احتجاجية ضدّ المحافظ، متحدّثا عن أن الزيارة "تضمّنت ما يشبه الإعتذار"، في إشارة إلى حملات إعلامية شهدتها المحافظة في تلك المرحلة الموصوفة بالثورية. ومن تلك الفترة يتذكّر مرافق العامري، الذي طلب التحفّظ على هويّته، أن المحافظ وجّه أقارب له بعدم الرّد على الحملات، قائلا لهم: "سيأتي يوم وترجعوا كلّكم للمحافظة وتجلسوا مع بعض".
خبرات إدارية ومؤهّلات علمية
ولد محمّد ناصر العامري في عزلة بني عامر، بمديرية الصومعة، في محافظة البيضاء، بتاريخ 25\9\1952م. متزوّج وأب لأربعة أبناء (قُتل أحدهم بمعيّته في الصالة الكبرى) وابنتَين اثنتَين. وهو عميد متقاعد في القوّات المسلّحة، وكان شيخ ضمان قبيلة بني عامر، وجمع بين الأعمال العسكرية والإدارية والسياسية والمدنية، فتراكمت لديه خبرات أكثر من 35 عاماً، تولّى خلالها العديد من الأعمال العسكرية، وساهم بفاعلية في عمل لجان الأطراف، التي تولّت التهيئة لإعلان الوحدة اليمنية عام 1990م.
تدرّج العامري في العمل الإداري والحكم المحلّي منذ عام 1972م، كمدير لمكتب محافظ البيضاء، فوكيل مساعد (1988)، ووكيل (1989م)، ثمّ وكيل أوّل للمحافظة (عام 2002م)، وعام 2008م عُدّ العامري أوّل محافظ منتخب في انتخابات المحافظين، قبل إقالته وتعيينه، عام 2012م، عضواً في مجلس الشورى.
وفي بيان نعيه، أشار مجلس الشورى إلى إسهامات العامري وأدواره في "إعداد مشاريع اختيار مدراء المديريّات من ضبّاط الشرطة والمعهدين الضريبي والدبلوماسي، وضبّاط التوجيه والإرشاد الديني للقوّات المسلحة"، منوّهاً كذلك بـ"أعماله الجماهيرية ورئاسته وعضويّته لعدد من المنظّمات الأهلية والمدنية والجماهيرية، التي أمكن من خلالها تحقيق العديد من مشاريع التنمية".
والعامري خريّج كلّية الحسين العسكرية في الزرقاء بالأردن عام 1976م، حائز بكالوريوس علوم عسكرية، وحاصل على بكالوريوس اقتصاد وعلوم سياسية، ودبلوم إدارة أعمال. حضر العديد من الدورات التدريبية التخصّصية، منها دورة تأسيسية لضبّاط الجيش، ودورة في اللغة الإنجليزية، ثمّ دورة في الإدارة المحلّية، وأخرى في مجال الحكم المحلّي.
حضور سياسي وأهلي
والعامري واحد من مؤسّسي حزب "المؤتمر الشعبي العام"، وعضو المؤتمر العام الأوّل للحزب، الذي انعقد في أغسطس 1982م. شغل منصب نائب رئيس اللجنة الفرعية لـ"المؤتمر" في محافظة البيضاء، وعضو اللجنة الدائمة، ثم رئيساً لفرع الحزب في المحافظة نفسها، وله عدد من المشاركات الخارجية ضمن وفود "المؤتمر".
وللعامري، كذلك، حضور واسع على مستويات أهلية، فهو عضو "مجلس السلم والتّضامن اليمني"، و نائب رئيس المجلس البلدي في محافظة البيضاء، وعضو "هيئة التطوير التعاوني لمديرية الصومعة"، ورئيس "نادي النهضة الرياضي الثقافي"، ورئيس فخري لـ"جمعية السيلة التعاونية الخيرية"، ورئيس فخري لـ"جمعية معاقي جرحى الحرب" في محافظة البيضاء، وعضو في "الجمعية الشعبية الإجتماعية الخيرية" في محافظة البيضاء.
ونال العامري، طوال مسيرته العملية، عدداً من الشهادات التقديرية والأوسمة، منها وسام "الواجب"، ووسام "الثورة"، ووسام "البطولة"، ووسام "جرحى الحرب"، ثم وسام "الوحدة" من الدرجة الثالثة.
التعليقات