"التحالف الحربي" الذي تقوده السعودية على اليمن منذ 19 شهراً، قائم في الأساس على "معلومات مغلوطة". ففتاوى علماء السعودية، ومنشورات طيران "عاصفة الحزم" التي أُلقيت على رؤوس اليمنيّين، تقول إن أهل اليمن باتوا "مجوساً"، يشكّلون "خطراً" على الوطن والدين، وكذلك المؤتمرات الصحافية لناطق قوّات "التحالف"، العميد أحمد عسيري، التي سمعها العالم وهي تعلن بعد 3 شهور من عمر العاصفة، أنّها دمّرت حوالي 90% من أسلحة "الإنقلابيّين" الصاروخية، مثلما سمعها العالم تعلن سيطرة "الشرعية" على مساحة 85% من أراضي الجمهورية،
حتّى قرار مجلس الأمن، رقم 2216، لم يجز للسعودية أبداً شنّ هذه الحرب العبثية على اليمن، وقصف الأحياء السكنية والمدارس والمستشفيات والجسور والحدائق العامّة، واستهداف كلّ مظاهر الحياة في اليمن. فقرار المجلس تحدّث عن منع فصيلَين سياسيَّين من إدخال أسلحة فقط، أي منح السعودية حقّ تفتيش السفن والطائرات للتأكّد من خلوّها من أيّ شحنات أسلحة، على أن ترفع تقريراً تفصيليّاً للأمم المتّحدة بنتائج عمليّات التفتيش بعد 30 يوماً من سريان القرار.
لا يجب الإنشغال بما سيقوله من عرفوا إعلاميّاً بـ"عيال العاصفة"، مبرّري مجزرة الصالة الكبرى في 8 أكتوبر 2016م، بعد بيان السعودية وإقرارها بخطأ ارتكاب العملية، فمعروف أن هؤلاء جزء من العاصفة والحرب، يقومون بمهمّة التبرير والتضليل، ومن ثمّ التبييض، لمسلسل جرائم "تحالف السعودية"، منذ قتلى راجع المضادّات الجوّية، قبل 19 شهراً ماضية، وحتّى مجزرة الصالة الكبرى.
البيان الصادر عن "الفريق المشترك لتقييم الحوادث بشأن حادثة استهداف القاعة الكبرى بصنعاء"، والذي بثّته وكالة الأنباء السعودية، تضمّن تحريضاً على الإقتتال، وإثارة وتغذية للفتنة والثأر بين اليمنيّين، أكثر منه إقرار شجاع بالمسؤولية القانونية والأخلاقية والإنسانية، عن جريمة بشعة من ضمن آلاف الجرائم خلال 18 شهراً ماضية. وإشارته إلى تعويض الضحايا تكشف عن نزعة استعلائية؛ فما لم يكن تعويض الضحايا استحقاقاً قانونيّاً، يردع الجاني وينتصر للعدالة، فهو جريمة إضافية بحقّ الضّحايا وأهاليهم.
مقارنة بعمليّات قصف "التحالف" لمستشفى "أطبّاء بلا حدود"، ومدرسة تحفيظ في صعدة، ثمّ مستشفى لـ"أطبّاء بلا حدود" أيضاً في حجّة، ومجالس عزاء ومواقع سابقة محظور استهدافها في الحروب والنزاعات المسلّحة، وتصلّب السعودية في إنكار ارتكاب تلك الجرائم، بل ودخولها في سجالات إعلامية مع مسؤولي الأمم المتّحدة والمنظّمات المعنية، فإن بيان "التحالف" حول جريمة "الصالة الكبرى" يُعدّ تطوراً إيجابيّاً، يخدم السعودية أكثر من غيرها؛ ولو لم يكن من تلك الإيجابيّات غير مراجعة السعودية لمعلوماتها المغلوطة، ابتداء من مزاعم الإنقلاب على الشرعية. ومحاولة "تحالف السعودية" تبرئة نفسه من الجريمة، وتلبيسها لأعوانه في اليمن، لا يخلي مسؤوليّته الكاملة عن أيّ طيران حربي أو مدني يعبر الأجواء اليمنية، في ظلّ الحصار الجوّي الذي تفرضه على اليمن، منذ مارس العام الماضي.
كذلك، هذا الإعتراف الضمني والإقرار بالجريمة يفتح باب التساؤلات على مصراعيه، حول مئات الضربات الجوّية التي وُصفت بـ"الخاطئة"، والتي استهدفت مواقع مدنية، وفصائل مسلّحة مؤيّدة للسعودية وتحالفها، في حضرموت ومأرب وصنعاء وعدن وتعز والجوف وغيرها من المحافظات. فلا يُعقل أن يكون ماسمّاه البيان "مركز توجيه العمليّات الجوّية في الجمهورية اليمنية" قد وجّه بقصف عناصره، وبمعنى أكثر وضوحاً، وجّه بقتل نفسه!
ثمّ إن حكاية الكشف عن "مركز للعمليّات الجوّية" لأعوان السعودية في اليمن، تعني أن السعودية فشلت في مهمّتها الأساسية في اليمن، وفقاً لقرار مجلس الأمن المتمثّل بحفظ الأمن والسلم الدوليّين، وأنّها هنا انقلبت على مخرجات مؤتمر الحوار الوطني، وقرار مجلس الأمن، بتزويدها لأحد أطراف النزاع السياسي اليمني بأسلحة محرّمة دولياً، جوّية وبرّية وبحرية، وساعدت بذلك في انتشار وتسليح وتموين التنظيمات الإرهابية، وبما يهدّد الأمن والسلم الدوليّين.
التعليقات