أكثر من ذي قبل، لم يعد اليمنيّون يعوّلون على زيارات المبعوث الأممي إلى اليمن، إسماعيل ولد الشيخ أحمد.
لقد فقدوا الثقة فيه وفي أن تفقس جعبة مبادراته ـ بطبيعة الحال ـ مقترحات جادّة ومنطقية وقابلة للتطبيق، تنهي العدوان وترفع الحصار المطبق على حبّة قمح اليمنيّين وكبسولة دوائهم وكراريس أطفالهم، وتتيح لجرحاهم أن يتلقّوا العلاج في مشافي الخارج، ولمرضاهم العالقين في مطارات العالم بفعل قرصنة الحظر الجوّي، أن يعودوا إلى ذويهم وقراهم ومدنهم في الداخل.
فقدان ثقة اليمنيّين بولد الشيخ ليست ناجمة ـ فحسب ـ عن كونه بات مبعوثاً خاصّاً للرياض؛ يفاوض الضحية بلسان الجلّاد، ويصدر عن مآزق القاتل لا عن أشلاء المذبوحين بسواطيره، وبؤس وآلام المجنيّ عليهم بترسانة عدوانه العسكري، خلال قرابة العامين في اليمن.
فقدان الثقة في جدوى التعاطي مع ولد الشيخ لا تكمن في كونه تخلّى عن محدّدات عمله كمبعوث أممي، بل في كونه مبعوثاً سعوديّاً ليس في جعبته كسرة تنازلات يتملّق بها جرح الضحية، في سبيل أن يستنقذ الجلّاد الذي يترنّح على حافّة انهياره الحتمي، كما تقتضيه مهمّته في الحد الأدنى.
يراهن ولد الشيخ على أن ترسانة القتل والحصار قد أثخنت اليمنيّين، بحيث باتوا آيلين للركوع عند أقدام مبادراته أيّاً كانت، متسوّلين مخرجاً كيفما اتّفق، ناكسي رؤوسهم طلباً لغفران ورحمة أولياء نعمته في الرياض وواشنطن. وعلى هذا النحو من الصفاقة والفجور، ينشط المبعوث الخاصّ ويهاتف ويلتقي ويتشاور ويقترح غدوّاً ورواحاً، منذ تسميته مبعوثاً للأمم المتّحدة خلفاً لسابقه، جمال بن عمر.
لذا فإنه حين يلتقي ذوي ضحايا الصالة الكبرى، كالحال لدى زيارته أمس قبل الأوّل موقع المجزرة في العاصمة صنعاء، فإنّه يتقمّص سحنة شيخ وهّابي في بلاط سلمان، ويردّ على شكاواهم بنبرة كاملة الدسم قائلاً: "لقد أحزنت فاجعتكم الإخوة في المملكة كثيراً".
وحين يخاطبه المعنيّون في القطاع الصحّي بشأن الحاجة الملحّة لتمكين جرحى الحالات الحرجة من السفر لتلقّي العلاج في الخارج، تصطكّ أسنانه على الحروف تشفّياً، ويكون ردّه: "أنتم ضيّعتم على أنفسكم عرض المملكة السعودية علاج الجرحى على نفقتها".
أجل، هذا ما هو عليه ولد الشيخ من السوء في الحدّ الأدنى، غير أنّه يبقى أوّلاً وأخيراً مبعوث منظّمة أممية سيّئة الصيت، مستلبة ومختلّة البنى والمعايير، لجهة تراتبية طغيان القوة والنفوذ انخفاضاً وارتفاعاً على مسرح الصراع العالمي.
وأجل، تسلّم وفدنا الوطني رؤية المبعوث غير المحايد ولا الأممي، بوعد عرضها على القيادة السياسية ممثّلة في المجلس السياسي الأعلى والردّ عليها بعد التشاور، لكن وفدنا وقوانا السياسية فعلت وتفعل ذلك، ليس من قبيل التعويل على النوايا الحسنة للمجتمع الدولي حيال الأوضاع الإنسانية المتردّية في اليمن، والحاجة الدولية لإنهاء معاناة شعبنا في ظلّ العدوان والحصار... وإنّما فعلت وتفعل ذلك لأنّها تدرك أن كلّ دعوة أممية للسلام هي معادل موضوعي لمستوى الألم وحجم المأزق الذي أصبح عليه تحالف العدوان السعودي الأمريكي، وكلّما اشتد الخناق على المعتدي عسكريّاً، استغاث بمبدأ "الحلّ السياسي" احتيالاً.
هكذا كانت دعوات السلام والحوار في كلّ مرّة منذ بدء العدوان، وتأسيساً على هذا الفهم بات لدى اليمنيّين قناعة كاملة بأن الطريق إلى سلام جادّ وعادل وكريم، لا تعبّده النوايا الحسنة، وإنّما بندقية وطنية تثخن صدر العدوان، بالتوازي مع سياسي حصيف يجيد صرف ألم الجلّاد لجهة أمل الضحية، وبما يثمّن دمها وصمودها وتضحياتها، استقلالاً ناجزاً وكينونة كاملة.
إن الردّ على مبادرة المبعوث الخاصّ ينبغي أن يحاذي خنادق ملحمة الدفاع الوطني في الداخل، ويحتذي إيقاع الأقدام الحافية لأبطال جيشنا ولجاننا الشعبية في مثلّث نجران، جيزان، عسير.
أثق في أن قيادتنا الثورية والسياسية قادرة على أن تستولد من معادلة الثلج والنار هذه برداً وسلاماً، بمنأى عن أن يهدّدنا بالموت من هم أحرص الناس على حياة... فالموت أصبح في حياتنا فصلاً من النهار.
التعليقات