حسناً فعل المتحدّث باسم قوّات "التحالف العربي" الذي تقوده السعودية في اليمن منذ مارس العام 2015م، اللواء أحمد عسيري، حينما شرح لنا الفرق بين "المراقبة والحصار"، وأن "المراقبة تختلف عن الحصار"، وبيّن لنا أن " المنع هو حرّية حركة مع مراقبة"، حسبما جاء في تصريحه لوكالة "فرانس برس" يوم الثلاثاء في 25 أكتوبر الجاري، مدّعياً أن ما تفعله بلاده منذ 19 شهراً في أجواء وأراضي ومياه اليمن ليس سوى "مراقبة بحسب القانون الدولي، القانون البحري، القانون الجوّي". وجاء في تصريح اللواء عسيري أنّه "إذا انطلقت سفينة من جيبوتي باتّجاه ميناء الحديدة، الواقع تحت سيطرة المتمرّدين في غرب اليمن، قوّاتنا تصعد على متنها للتأكّد من أن ما تنقله شرعي، ولا يتعارض مع قرار مجلس الأمن 2216 الصادر العام الماضي، والذي يمنع تهريب أيّ أداة حرب إلى اليمن".
والحقيقة، لا غرابة في تصريح اللواء عسيري، إذا ما اعتُبر في سياق تصريحات سابقة له ولمسؤولين وعلماء في السعودية، ذهبوا للقول إن "عاصفة الحزم" جاءت في الأساس لإنقاذ الشعب اليمني، وحمايته من مخاطر الإنقلابيّين، وبالتالي فهو تصريح لا يخرج عن سياق التضليل السياسي والإعلامي الممنهج للرأي العام السعودي أوّلاً، والعربي ثانياً، والعالمي ثالثاً، حول مبرّرات وتكاليف وأهداف ونتائج العمليّات الحربية في اليمن، تحت مسمّى "عاصفة الحزم"، وما تلاها من مسمّيات للإستهلاك الإعلامي.
ولعلّ الجديد في تصريح عسيري الذي يمكن التوقّف عنده هو استقواؤه - لأوّل مرّة - بقرار مجلس الأمن رقم 2216؛ ذلك أن القرار الأممي بالفعل، أهاب بالدول المجاورة لليمن، ومنها بالطبع السعودية، "أن تتولّى، بما يتّفق وسلطاتها وتشريعاتها الوطنية ويتّسق مع القانون الدولي، وبخاصّة قانون البحار واتّفاقات الطيران المدني الدولي ذات الصلة، القيام في أراضيها، بما يشمل موانئها ومطاراتها، بتفتيش جميع البضائع المتّجهة إلى اليمن والقادمة منه، متى كان لدى الدولة المعنية معلومات توفّر أساساً معقولاً للإعتقاد أن البضائع تتضمّن أصنافاً يحظر توريدها أو بيعها أو نقلها (الفقرة 15 قرار مجلس الأمن رقم 2216)"، لكنّ الفقرة التالية من القرار ذاته طالبت تلك الدول التي أجرت تفتيشاً، بأن تعجّل بتقديم تقرير خطّي أوّلي إلى لجنة الأمم المتّحدة، "يتضمّن على وجه الخصوص، شرحاً لأسباب التفتيش ونتائجه، وما إذا كانت لقيت تعاونا أم لا، وما إذا تمّ العثور أم لا على أصناف يُحظر توريدها أو بيعها أو نقلها"؛ كما طالب القرار الأممي، الذي يبدو أن اللواء عسيري مؤمن ببعض ببنوده فقط، تلك الدول بأن تقدّم "في غضون 30 يوماً، تقريراً خطّيّاً لاحقاً يتضمّن معلومات مفصّلة عن تفتيش الأصناف ومصادرتها وإجراءات التخلّص منها وتفاصيل تتعلّق بنقلها، بما في ذلك وصف للأصناف ومصدرها ووجهتها".
وإذا كان موضوع تقديم التقرير خلال 30 يوماً من اختصاص الأمم المتّحدة ووظائفها المفترضة، وشاهداً حيّاً على تساهلها مع دول "التحالف"، أو تمرّد السعودية على الشرعية الدولية، فإنّ من المهمّ هنا تذكير اللواء عسيري بأنّ القرار 2216، لم يمنح "التحالف العربي" الذي تقوده بلاده، حقّ قتل وجرح قرابة 30 ألف يمني بينهم آلاف الأطفال والنساء، وفرض أقسى حصار برّي وجوّي وبحري على قرابة 27 مليون إنسان، منذ 19 شهراً ماضية. فإذا لم يكن ما يتعّرض له المسافر اليمني في مطار بيشه من تأخير متعمّد وإهانات وتجويع ومضاعفة آلام المرضى وعبث بخصوصيّات، انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان، فما هي الإنتهاكات إذاً؟ وإذا لم يكن تدمير طيران "التحالف" 15 مطاراً، و17 ميناء، و1155 طريقاً وجسراً، و462 ناقلة مواد غذائية، انقلاباً صريحاً على قرار مجلس الأمن 2216، وانتهاكات صارخة للقانون الدولي و قانون البحار واتّفاقات الطيران المدني الدولي واتّفاقية حقوق الإنسان وحقوق الطفولة وحقوق الحيوان، فماذا تبقّى لقوّاتكم يا لواء عسيري لكي تراقبه، وتتأكّد من أن ما تنقله شرعي، ولا يتعارض مع قرار مجلس الأمن؟
التعليقات