لا يكاد يمرّ أسبوع واحد دونما استقبال جبل النبي شعيب (17 كلم غرب العاصمة صنعاء) لعشرات الغارات الجوّية لطيران "التحالف العربي"، منافساً بذلك وبقوّة نظراءه: ثلاثي النّهدين وعطّان ونقم، المرتفعات الجبلية المحيطة بالعاصمة صنعاء من جهة الشرق والجنوب الغربي، وهي مواقع عسكرية، تقول القوّات الموالية للرئيس عبد ربّه منصور هادي أنّها تحوي مخازن أسلحة (مفترضة) لمسلّحي "أنصار الله" والقوات المتحالفة معهم، فمنذ أواخر أغسطس الماضي رصد موقع "العربي" وقوع أكثر من 30 غارة جوّية لطيران "التحالف"على منطقة جبل النبي شعيب، لعل آخرها الأربعاء 2 نوفمبر الجاري.
وبقصف طيران "التحالف" لمسجد جبل النبي شعيب الأثري، بمديرية بني مطر بمحافظة صنعاء، يوم الأربعاء 24 أغسطس الماضي، ينضم الضريح المجاور للمسجد (تقول السلطات المختصة هنا أنّه ضريح ومقام للنّبي شعيب) إلى قائمة ضحايا صراع سياسي وحروب داخلية وخارجية، مثله مثل عشرات الأضرحة والقباب المعمورة قبل آلاف السنين. الأربعاء الماضي، 2 نوفمبر 2016م، قالت مصادر قبليّة وشهود عيان لـ"العربي" إنّ طيران "التّحالف" شنّ 7 غارات جوية متتالية على مناطق متفرّقة بجبل النبي شعيب، والذي يعدّ أعلى قمّة جبلية في الجزيرة العربية، وأوضح الشيخ مهدي الداعري، من أبناء المنطقة، لـ"العربي"، أنّه لم يتسن لهم حصر الأضرار الناجمة عن الغارات.
إستمرار تدمير التراث يثير قلق "اليونسكو"
وقالت المديرة العامّة لليونسكو، إيرينا بوكوفا، في بيان يوم الثلاثاء 6 سبتمبر، "أشعر بالقلق الشديد حيال التدمير المستمر للتراث الثقافي الفريد في اليمن، إن هذا التدمير لهجوم مباشر على المواقع التاريخية في البلد وعلى تاريخ وهويّة الشعب اليمني، ما سيؤثّر على المجتمع على المدى البعيد، ولا بدّ من إيقاف هذا العنف على الفور".
وجاء في البيان "منذ شهر فقط، تم تدمير مسجد الشيخ عبد الهادي السودي في تعز، كما أنّ التفجيرات ضربت أيضاً موقع التراث العالمي في مدينة صنعاء القديمة والذي أُدرِج على قائمة التراث العالمي المعرض للخطر عام 2015".
مكانة خاصة للمسجد التاريخي في نفوس أبناء المنطقة
جغرافياً، يقع المسجد في أعلى قمّة جبل النبي شعيب، وهو أعلى جبل في الجزيرة العربية والشرق الأوسط، حيث يصل ارتفاعه إلى 3670م، وتعدّ المنطقة من المواقع الأثرية والتاريخية والسياحية.
ويقول أبناء القرى الواقعة في محيط الجبل، إنّ المسجد بني في عام 200 هجرية، وقد أعيد ترميمه في عام 388 هجرية، إبّان حكم الملكة أروى بنت أحمد الصّليحي لليمن، مستشهدين بنقوش محفورة على سقفه الخشبي الذي تعرّض للتدمير بفعل الغارة الاخيرة، "لقد تحوّل المسجد إلى ركام، جدرانه ونقوشه، وحتّى حوض الماء تضرر،" يروي لـ"العربي" سكّان من المنطقة، طالبين التحفظ على هويّاتهم وأسماء القرى، مضيفين "لقد سبق وضربوا المعسكر عدّة مرّات، فلم استهداف بيوت الله"؟
وليس مؤكّداً إن كان الضريح المجاور للمسجد هو ضريح النبي شعيب أم لا، في ظل وجود مقامات أخرى للنبي شعيب في دول أخرى، لكن أبناء المنطقة يجزمون بأن الضريح هو فعلاً للنبي شعيب، ولذلك يحظى الموقع بمكانة مقدّسة في نفوسهم.
ووفق مصادر محلّية وسكان، تحدّثوا لـ"العربي" فقد استقبل جبل النبي شعيب، يوم الإثنين 19 سبتمبر 2016م، 10 غارات متتالية لطيران "التحالف العربي".
وفي مستهل عمليات "عاصفة الحزم" أعلن "التحالف العربي" في 28 مارس 2015م، أنه قصف مواقع عسكرية تخضع لسيطرة "أنصار الله"، في جبل النبي شعيب، واعتبره "مركزاً للملاحة المدنية والعسكرية".
ويوم الأربعاء، 12 أكتوبر الماضي، قال سكّان محليون لـ"العربي" إنّ طيران "التحالف" شنّ 7 غارات متتالية على مناطق متفرّقة في جبل النّبي شعيب، وأنّ الغارات ألحقت أضراراً بممتلكات مواطنين.
مقتل 9 مدنيين في غارة أخطأت طريقها
وتقول منظمات مدنية ودولية أنّها تحقّقت من مقتل 9 يمنيين من أسرة واحدة وإصابة خمسة آخرين، وذلك جرّاء قصف طائرات "التحالف العربي" في مستهل عملياتها في مارس العام الماضي، وقال مواطنون من أبناء المنطقة لـ"العربي" إنّ الغارة استهدفت معسكر جبل النّبي شعيب، لكنّ الصاروخ سقط في قرية حجر عكيش، البعيدة عن المعسكر، وفي يناير من العام الجاري أعلن "التحالف" مجدداً قصف مواقع مفترضة لـ"أنصار الله" والقوات المتحالفة معهم، في الصباحة، وجبل النبي شعيب، بالإضافة إلى جبل ظفار جنوب العاصمة.
وطالبت المديرة العامّة لـ"اليونسكو"، إيرينا بوكوفا، من كافّة أطراف النّزاع الالتزام "بالقانون الدّولي الإنساني، واحترام المواقع الثقافيّة والدينيّة، التي تجسّد بدورها روح وهويّة الشعب اليمني ناهيك عن أنّها مصدر ضروري للأمل والصّمود".
وللجبل مكانة خاصة في نفوس أبناء المنطقة، وهو مقصد سياحي ومتنفس طبيعي، تكسوه المدرّجات الزّراعية، والمناظر الخلاّبة، وغالباً ما تكون قمّته الشّاهقة والمعروفة ببرودتها الشّديدة خصوصاً في فصل الشّتاء، محجوبة عن الأنظار، نتيجة لكثافة الغيوم التي تغطّي الجبل، فتبدوا للنّاظر معانقة للسّحب طوال أيام السّنة، وخاصّة خلال مواسم الأمطار.
التعليقات