ولد الشيخ في صنعاء مجدداً، تلافياً لصاروخ باليستي آخر قد يدك قصور الدرعية الملكية في الرياض... لا أكثر!
صفحة هادي، الأحمر، بن دغر طُويت إلى الأبد. فالمملكة – بحافز أمريكي – تحاول أن تفتدي نفسها بالبخس من التنازلات، وليس هناك ما هو أبخس ثمناً من القفازات وورق النشاف النافق لتقايض به على سلامة الرأس، وفق خطة كيري المعنونة باسم دلع أممي أصبحت معه تدعى "مبادرة ولد الشيخ".
أدرك المجتمع الدولي (واشنطن - لندن) استحالة المضي في العدوان العسكري على اليمن على ذات المنوال السابق، بمأمن من مفاجآت الرد اليمني براً وبحراً وفي جنوب المملكة وداخل عمقها الحساس والقابل للكسر.
تبعاً لهذه المستجدات وجهت الرياض جوقة القفازات العميلة بقبول مبادرة ولد الشيخ، بعد أن كانت هذه الجوقة قد أعلنت رفضها في وقت سابق، بتوجيه من الرياض كذلك!
معاودة التعاطي مع المبادرة، علاوة على جملة نشاطات دولية أخرى، أبرزها مشروع القرار البريطاني وموقف موسكو منه، كما وتقرير ولد الشيخ الأخير في جلسة مجلس الأمن، كل ذلك يؤلف حزمة مفاتيح لا غنى عنها لمقاربة أفق التسوية التي تحاول واشنطن ولندن موضعتها في المشهد اليمني المستقبلي، بعد فشل تحالف عدوانها العسكري وارتدادات ذلك على عقر مجالها الحيوي الخليجي سلباً.
ترى واشنطن ولندن أن اللحظة الراهنة من عمر الصراع في اليمن وعلى اليمن، غير مواتية لمراكمة مكاسب صوب قولبة الخارطة الوطنية وفقاً لما سعت إلى تحقيقه عبر العدوان العسكري، لذا فإن من الأسلم بالنسبة لهذا الثنائي الإستعماري العتيق والمحدث تثبيت السيطرة على مكاسب الحد الأدنى المتحققة، بالتوازي مع الإستمرار في تنضيج ظروف الفوضى والإنقسامات وزعزعة الإستقرار في النطاق الواقع خارج سيطرة عصابات عملائها ومرتزقتها.
من المفروغ منه أن أية تسوية قادمة قد تسفر عنها الجهود الأممية لإنهاء النزاع في اليمن ستكون – بالضرورة – تحت مظلة الفصل السابع، وبقرار أممي في كنفه، وفيما لو كتب لتسوية كهذه أن تخرج إلى النور، فإن الشأن اليمني لن يعود شأناً يمنياً، وإنما شأن دولي يجري تداول مستجداته وتقييم سيرورة تطوره بناءً على زوايا تأويل متباينة للقوى الفاعلة على مسرح الصراع العالمي، أمريكية – بريطانية – روسية – صينية – إيرانية.
في هذا السياق، يمكن قراءة الموقف الروسي المشكك في نوايا بريطانيا (المنخرطة تسليحاً في الحرب إلى جانب التحالف) من تقديم مشروع قرار لتصويت مجلس الأمن بشأن وقف الحرب في اليمن، فالروس يستشرفون أفق وصاية غربية كاملة على المشهد اليمني، وهو أمرٌ ترفضه موسكو، وتدفع باتجاه ضمان منصة موازية، إن لم تكن مقابلة، تتيح لها إطلالة وازنة على هذا الأفق المستقبلي، انطلاقاً من مبدأ الوقاية المشروعة من تداعيات نفوذ أمريكي بريطاني كامل على اليمن.
وبالعودة لتقرير ولد الشيخ أمام مجلس الأمن، فإن مضمونه بالإجمال كان بمثابة مناولة أممية لأمريكا تتفهم رغبة هذه الأخيرة في ولوج المشهد اليمني مجدداً من بوابة "الحرب على داعش"، اتكاءً على نطاق سيطرتها الجغرافية في الجنوب اليمني، وكنتيجة لانسداد بوابة "تحالف إعادة الشرعية".
إن "مكة مهددة بصواريخ أنصار الله" و"نفوذ داعش يستفحل في الجنوب"... لم يحمل خطاب المبعوث الأممي جديداً عدا هاتين العبارتين اللتين تصبان في اتجاه الحاجة الأمريكية ذاتها إلى شقلبة ذرائع الإشتباك، بهدف تلافي خيبات تحالفها، والإستمرار في العدوان بصيغ ويافطات أخرى مخاتلة.
مشروع القرار البريطاني المسرب يؤكد بدءاً وحدة وسلامة أراضي الجمهورية اليمنية، ومثله مبادرة المبعوث الأممي، إلا أن تأكيداً كهذا ليس شيكاً قابلاً للصرف من قبل القوى الوطنية في الداخل، بحساب سيطرة عصابات العدوان السعودي الأمريكي على الجنوب اليمني ومأرب وأجزاء من تعز، وتأسيساً على هذه الحقيقة فإن واشنطن ولندن ترميان لإنتاج صورة أخرى في اليمن من عراق ما بعد حرب الخليج الثانية في 1991م، قوامها بلد مجزأ فعلياً ومتماسك على مستوى الواجهة، يجري نزع أظافره تدريجياً بقوة القرارات الأممية تحت الفصل السابع، وتفكيكه بأساليب ناعمة تمهيداً لاحتلاله لاحقاً.
يمكن تسمية هذه السياسة بـ"سياسة فصل المسارات"، وهو أمر تبرع فيه بريطانيا ذات الإرث الإستعماري الثقيل.
إن الخشية ليست من لؤم وخسة نوايا العدو المضمرة والساخرة حيال بلدنا، وإنما من انزلاق بعض القوى في الداخل خلف سراب أماني العدو، بالإنسلاخ عن اللحظة الوطنية الجامعة، وانتهاج مسار تسووي يعيد رسم خارطة الإصطفاف السياسي خارج خنادق ملحمة الكفاح في سبيل الإستقلال بعصامية لا تتطامن للنفاق الأممي والدولي، ولا ترهن صمود الشعب وتضحياته لثلاجة وفيات الفصل السابع.
وهنا يبقى السؤال: لماذا تعثَّر الإعلان عن حكومة الإنقاذ؟! ومن المسؤول؟!
التعليقات