شنَّ التحالف السعودي الأمريكي عدوانه على اليمن، تحت يافطة "إعادة الشرعية وإنهاء الانقلاب"، أما الشرعية التي استهدف إعادتها إلى سدة السلطة، فظاهرها هادي وزمرته، وباطنها بنو سعود، وأما الانقلاب الذي استهدف إنهاءَه، فظاهره الحوثي وعفاش، وباطنه الوجود اليمني برمته، شعباً وتراباً وتاريخاً وحضارة وقراراً وماضياً وحاضراً ومستقبلاً.
ولو أفلح تحالف العدوان في تحقيق أهدافه المعلنة والمواربة، لغدا ظاهر اليمن وباطنه مبتذلاً فارغاً من كل قيمة وجودية ووزن آدمي، وممتلئاً بمسوخ دواعش الوهابية والصهاينة والأمريكان، لكن جدارة اليمني بوجوده الوازن المستقل الحر الكريم المتطلع التواق، كان ذخر المجابهة الملحمية الخلاقة، الذي لا ينفد، فاستحق اليمن ـ بما قدمه ويقدمه من تضحيات على مذبح الصمود والتحدي ـ أن يكون ظاهره وباطنه يمنياً عربياً أممي الآلام والآمال، لا وصاية عليه ولا قرار لغير شعبه وقواه الوطنية المخلصة التي انصهرت حاكماً ومحكوماً ونخباً وعوام في أتون جحيم المجابهة النبيلة، فصارت سبيكة واحدة فولاذية هي مبتدأ الشرعية وخاتمتها، وكل شرعية عداها شذوذ لا محل له من الوطن حاضراً ومستقبلاً.
لقد ذهب ظاهر شرعية العدوان جُفاءً، وتمزق قميص هادي مسفراً في باطنه عن سروال عبد العزيز بن سعود، فيما رسخ الانقلاب المجابه للعدوان رسوخ هيلان وعطان ونقم، لأن باطنه الشعب الصامد، لذا فإن المقايضة التي يسعى الأمريكان والبريطانيون اليوم إلى تمريرها تحت مسمى خارطة طريق، هي أن يتخلَّى تحالف العدوان عن شرعية هادي وزمرته في مقابل أن يتخلَّى "الانقلابيون" عن الشعب والتراب لصالح معادلة تسوية هجينة مضمونها نفوذ إقليمي دولي متعدد الأبواب والنوافذ في اليمن، بما يتيح للسعودية كما للإمارات كما لقطر كما لإيران، منافذ مشرعة ومواتية لإدارة تناقضاتها واختلافاتها على مسرح القرار والتراب اليمنيّيْن المجزأ والمستلب، دون الحاجة للصدام المباشر باهظ التكلفة.
وإذا كان تحالف العدوان السعودي الأمريكي قد صرح مراراً وتكراراً على ألسنة مسؤوليه وأدواته، بأنه لن يسمح بنشوء "نسخة أخرى من حزب الله" في اليمن، فإنه ولا ريب يسعى اليوم من خلال خارطة طريق كيري ـ ولد الشيخ، لإنتاج نسخة أخرى في اليمن من "لبنان اتفاقية الطائف" ودولة الطوائف، بحيث يكون لـ"الرياض ـ تل أبيب ـ واشنطن" تيار "مستقبلها" و"14 آذارها" ضمن المشهد اليمني مستقبلاً، فتضمن حصر ثورية "أنصار الله" وطلائعيتها العابرة للأسيجة المناطقية والطائفية، في كانتون اجتماعي جغرافي خانق، وتجهض مشروع الدولة الوطنية اليمنية الموحدة المقتدرة، لجهة تدشين مزاد مفتوح للمساومة على الولاءات في فضاء هش وأرضية رخوة، قوامها جزر معزولة بحدود هوياتها الطائفية كبديل لحدود الوطن وفضاء الهوية الوطنية الجامعة ذات الروافد المتباينة والمنسجمة من حيث المصب والوجهة.
أعترف أنني لا أُعوِّل كثيراً على ضمائر الساسة في وفدنا الوطني المفاوض الذي تفرقت أياديه بين مسقط وأبوظبي، ولا أخبار عن مخرجات جولاته ولقاءاته الإقليمية.
غير أن عدم التعويل هذا لا علاقة له بالتشكيك في صدق نوايا مكوِّني الوفد، قدر ما هو ميلٌ للرهان على إيقاع المعركة، وتعويلٌ على أقدام مقاتلينا الأبطال، وثقة في صدقية سيد الثورة، أبو جبريل، وانحياز للخيار الثوري، واطمئنان لصوابيته وجدواه، فلا استقلال ولا حرية لشعب وأمة على مر التاريخ خارج رحم الكفاح المسلح، وما لم تكن مخاضاً له وجنيناً متحدراً من صُلبه.
إن الذي استرعى انتباه العالم ليس أطراف أطفالنا المبتورة، ولا ضفائر تلميذاتنا المفصولة عن الرؤوس، بل سواعد مقاتلينا الموصولة بالزناد وفوهات البنادق.
والذي قض مضاجع سبات النفاق الأممي، فأمطر علينا مبادرات سلام، ليس أنين جرحانا ولا حشرجات شهدائنا المحتضرين تحت ردم الأكواخ والأبنية السكنية، بل هدير "قاهر" و"توشكا" وهزيم "بركان" في مرابع نوق البترودولار.
وعلى هذا الصعيد، فإن المعركة تسير على ما يرام، وأخبار وفيديوهات الإعلام الحربي من الوفرة بما يغنينا عن تسقُّط أخبار مسقط، واللهاث خلف حقيبة ولد الشيخ بين عواصم العالم.
فليضبط العالم عقارب ساعاته على توقيت نجران، جيزان، عسير، ولتخرس تروس ونوابض "بج بن" المنافقة.
التعليقات