كانت السفارة الأمريكية هي السفارة الوحيدة التي استعدت لمغادرة صنعاء وبشكل نهائي، والسبب بالطبع أن الولايات المتحدة ودون كل الدول المتصلة بالأزمة اليمنية كانت وحدها تعرف حقيقة ما سيحدث. وربما استطعنا القول إنها تفاجأت ولم تتفاجأ في الوقت ذاته؛ فهي تفاجأت بسرعة سيطرة جماعة الحوثي على العاصمة، ولم تتفاجأ بتطورات الأزمة لأنها تعرف أن الجماعة التي سيطرت بقوة السلاح لن تنسحب باتفاق سياسي, فقررت مغادرة صنعاء وبشكل نهائي.
أراد الرئيس هادي احتواء الأزمة، وحاول مجاراة جماعة الحوثي ببعض مطالبها، وأبدى رغبته بالتحالف معها، ولكن الجماعة وعلى لسان أحد قياداتها أظهرت أنها لا تثق بمن غدر بحلفائه سابقاً. وخلال تلك الفترة، عقد الرئيس هادي اجتماعات عامة مع قيادات سياسية ومجتمعية وشبابية في القصر الجمهوري دعيت لحضورها، وكان يسعى من خلال تلك اللقاءات إلى التوصل إلى حل مع جماعة الحوثي، وشكل لجنة للنزول إلى صعدة للتفاوض مع عبدالملك الحوثي. كان خطابه ضعيفاً أمام حشود الإصطفاف الوطني. بعد تلك الإجتماعات، التقيت بالصديق عبد السلام محمد الذي كان يتحدث ببرود عن سقوط قريب لصنعاء، لم نكد نكمل حديثنا حتى سمعنا القذائف تنفجر في مقر الفرقة الأولى مدرع، لم أكن متفائلاً على الإطلاق، ونصحني صديق أمريكي بسرعة مغادرة اليمن.
إلى ذلك الحين، وبعض قيادات الأحزاب والهيئات المدنية تبارك الإنقلاب وتشمت مما حل بحزب "الإصلاح" وحلفائه من القيادات العسكرية والقبلية. كانت الصورة مشوشة لدى عموم الشعب اليمني، وكان لا يزال مأخوذاً بمثيرات التحولات وتجربة الثورة السلمية الشعبية في 2011م التي أحدثت تحولاً تاريخياً لم تشهد له اليمن مثيلاً من قبل، وكانت الجماهير تشعر أنها شريكة في كل ما يحدث.
وسط ردود الأفعال على هذا الحدث المهول، فإن حزب "الإصلاح" حاول أن يحتفظ برأسه سليمة، لكي يستطيع أن يفكر وأن يقدر حتى تتضح الأمور أكثر. كان أنصاره مستعدين للمواجهة العسكرية، ولكنهم في الوقت نفسه أحسوا بضرورة الحذر، حتى لا يجدوا أنفسهم وحيدين في المواجهة، خاصة مع تأخر ردود الفعل الدولية على ما حدث.
سافرت إلى لبنان، وعلمت هناك أن الرئيس علي ناصر محمد يعقد اجتماعات مع قيادات جنوبية وقيادات في جماعة "أنصار الله"، في إطار تحركات داخلية وخارجية قام بها بغية تنصيبه رئيساً لمرحلة انتقالية، قبل أن يقدم الرئيس هادي استقالته. وتنقل علي ناصر محمد بين القاهرة وأبو ظبي وطهران ولندن من أجل كسب دعم تلك العواصم في حال تم التوافق عليه لرئاسة البلاد. ويبدو أن عبدربه منصور هادي قد أُجبر على الإستقالة باتفاق حلفاء الإنقلاب، ولكنهم اختلفوا على آلية انتقال السلطة؛ فالحوثي أراد تشكيل مجلس انتقالي برئاسة علي ناصر محمد، وسط إصرار من "المؤتمر" على انتقال السلطة إلى رئيس مجلس النواب وتحديد موعد لانتخابات رئاسية.
كانت كل الأطراف السياسية بما فيها حزب "الإصلاح" على استعداد للتعامل مع جماعة الحوثي وإعلان حكومة وحدة وطنية وفق الإتفاق المسمى "السلم والشراكة"، الذي وقعت عليه كافة القوى السياسية، واستعد حزب "الإصلاح" للتعامل مع الوضع الجديد.
مشكلتنا وبحكم التخلف في الوعي السياسي، أننا لم نستطع الحفاظ على الدولة والضغط على السلطة بالوسائل السلمية من أجل إصلاحات سياسية وديمقراطية، وننتظر حتى إنجاز الدستور بعيداً عن منطق القوة، خاصة بعد تجربة الثورة السلمية الشعبية في 2011م التي أحدثت تحولاً تاريخياً لم تشهد له اليمن مثيلاً من قبل. وما هذا الجحيم الذي نعيشه اليوم إلا نتيجة السكوت والتصفيق للإنقلاب من قبل قادة في الأحزاب السياسية وشخصيات عامة تعاني من الأمية السياسية والجهل وسوء التقدير، فكانوا أول ضحية للحاكم الفرد الذي لا يؤمن بالديمقراطية والمواطنة وحقوق الإنسان وتحركه شهوة المال والسلطة.
لا نستطيع إنكار الفساد الذي رافق العملية الإنتقالية، ومحاولة الإلتفاف على مخرجات الحوار، والتحايل من أجل الحصول على المكاسب، لكن كل ذلك يهون أمام ما حصل بعد الإنقلاب الذي أحال حياة اليمنيين إلى جحيم.
أكتب هذه السطور وأنا في صنعاء، أشهد كل يوم رعب القصف الجوي وجنائز القتلى وأخبار الموت وعمليات المداهمة التي تطال بيوت الساخطين من حكم المليشيا. أخرج وأنا لا أدري هل سأعود أم سأعتقل، أنام وأنا لا أدري هل سأصحو أم سأموت بغارات "التحالف".
لا أستطيع التعايش مع المليشيا، ولم أكن أتوقع أن تتفاقم الأمور إلى هذا الحد، ولم يخطر على بالي أن تطول الأزمة، ولم أعد أقوى على الإنتظار حتى تنتهي هذه الحرب المجنونة التي أحرقت ودمرت كل شيء.
مؤخراً، جاء ولد الشيخ بخارطة طريق عجيبة يؤكد لنا فيها استمرار الحرب إلى أجل غير مسمى. فمن الواضح أن تعثر الحل نتيجة طبيعية لتضارب المصالح، والأطراف المتقاتلة تسعى إلى عرقلة مساعي الإنقاذ مستفيدة من وضع البلاد الحالي. وبرغم أن سلطة الأمر الواقع عاجزة داخلياً ومعزولة خارجياً، إلا أنها ولانعدام الخبرة في العمل السياسي ستظل مستمرة بالحكم ومتمسكة بما تجنيه من مكاسب مالية، حتى لو ترتبت على ذلك خسائر كبيرة على مستقبلها كقوة سياسية فاعلة.
وكل الإتفاقات التي يوقعها الحوثي مجرد مناورة لا تستند إلى نية حقيقية بالتنفيذ، فهو لن يقبل بالإنسحاب ولا تسليم السلاح لطرف ثالث. ومما يزيد من خطورة التطورات أن الدول المتدخلة بالشأن اليمني تعاني من حيرة هي الأخرى تنعكس معالمها في تحركاتها وجمودها حيال الأحداث. فإذا كانت أمريكا نفسها تمر بمرحلة انتقالية وإذا كانت أوروبا غارقة بمشاكل داخلية وخارجية، فإن ما ستشهده بلادنا يتصل بواقع التجميد واستمرار قوى الأمر الواقع بالحكم على أية حال، وليس بمقدور الشرعية حالياً ولا في طموحها أن تحقق إنجازاً مهماً على الأرض، وما خارطة الطريق التي طرحها ولد الشيخ والتزم الحوثي بتطبيقها إلا عامل من عوامل رعاية تجميد الأزمة.
التعليقات