56 يوماً هي فترة المخاض المحتسبة منذ إعلان قرار "المجلس السياسي الأعلى" في صنعاء تكليف عبد العزيز صالح بن حبتور بتشكيل حكومة إنقاذ وطني، وحتى خروجها إلى النور الاثنين، 28 نوفمبر الجاري، في ما يشبه الولادة المتعسّرة، وسط أجواء سياسية معقدة، وتطلعات شعبية عالية، وتحديات اقتصادية وأمنية من الوزن الثقيل.
ويأتي ميلاد حكومة "الإنقاذ الوطني"، كما سمّيت، في ظل استمرار تنقل حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي، المعترف بها دولياً، ما بين الرياض ومأرب وعدن، وبعد مضي أشهر على وعود لها بتحقيق عودة نهائية إلى عدن، ومرور أسابيع على وعود صرف مرتبات موظفي الدولة، في المحافظات الجنوبية والشرقية، الذين فوجئوا قبل أيام بإرسال مرتباتهم من صنعاء، وصرفها عبر مكاتب البريد المعتادة أسوة بموظفي الدولة في صنعاء وعموم المحافظات.
مسمار في نعش الوحدة؟
وفي حديثه إلى "العربي"، يرى نائب رئيس "حزب المؤتمر"، صادق أمين أبوراس، أنّ تشكيلة حكومة الإنقاذ الوطني، في مجملها "مثّلت الخارطة الجغرافية لليمن"، فمن أصل 42 حقيبة وزارية، خصصت 4 حقائب وزارية لمكون "الحراك الجنوبي السلمي"، هذا غير تضمّن قائمتي "المؤتمر" و"أنصار الله" لثمانية أسماء (5 "مؤتمر" و2 "أنصار الله") تنتمي جغرافياً لمحافظات عدن، والضالع، ولحج، وأبين، وحضرموت، وشبوة، في مقدمتهم رئيس الحكومة التوافقي بين القائمتين، في دلالة اعتبرها مراقبون إجراء احترازياً مهماً، وذا أبعاد ومدلولات تراعي الحساسيات السياسية. يعتقد هؤلاء أنّ الخطوة "تجسّد مفهوم الوحدة الوطنية"، وتبعث رسائل سياسية بالغة الأهمية لفريق الرئيس هادي في الداخل، وقيادات دول "التحالف العربي" في الخارج.
لكن القيادي في "المؤتمر الشعبي العام"، ياسر اليماني، يرى أن "الوحدة لن يحميها تعيين بن حبتور"، معتبراً إعلان "حكومة الإنقاذ" بمثابة "المسمار الأخير في نعش اليمن".
وزير الـ"سكود"
وكان لافتاً بوضوح طغيان حالة الحرب والتحدي العسكري في مواجهة غارات طيران "التحالف العربي" على تشكيلة حكومة بن حبتور، والتي جاءت بالقائد العسكري السابق للواء 6 صواريخ اسكود، وقائد مجموعة ألوية الصورايخ، اللواء الركن محمد ناصر أحمد العاطفي، وزيراً للدفاع. وحسب مصادر قبلية بمنطقة خولان، مسقط رأس العاطفي، فإنّ الجنرال العاطفي هو الذي قاد العرض العسكري للكليات والمعاهد والمدارس العسكرية والأمنية للعيد الفضي لثورة 26 سبتمبر 1987م، وهو العرض العسكري الذي، وفق المصادر، أثار حفيظة السلطات السعودية حينها، ودخلت فيه قوات الصورايخ سرايا العرض العسكري لأوّل مرة.
وفي حديثها إلى "العربي" أشارت المصادر القبلية إلى تدرّج وظائف الجنرال العاطفي، من قائد بطارية صواريخ أرض – أرض توشكا، إلى رئيس عمليات كتيبة صواريخ أرض – أرض توشكا، ثم أركان حرب كتيبة صواريخ أرض – أرض توشكا، ورئاسة أركان كتائب الاسكود "آر 17".
ومن هنا، تقول هذه المصادر إن تعيين من يمكن تسميته وزير الـ"سكود"، أو وزير الـ"توتشكا"، جاء متضمناً رسالة قاسية لدول "التحالف العربي"، وتحديداً السعودية والإمارات، يختصرها شيخ قبلي من منطقة خولان في حديثه إلى "العربي" بلهجة شعبية: "ما قد أبصروا من الجمل إلاّ أذنه".
من محاربة "أنصار الله" في صعدة... إلى حمايتها في صنعاء!
نائب رئيس دائرة الحكم المحلي بـ"المؤتمر"، عبد الباسط الكميم، يرى من جانبه في تعيين اللواء الركن محمد عبد الله القوسي وزيراً للداخلية، ممثلاً عن "المؤتمر الشعبي العام"، في حكومة نصفها الآخر جماعة " أنصار الله"، التي قاد الجنرال محمد القوسي آخر حروب النظام السابق ضدها من داخل مدينة صعدة، قبل أن تتحول إلى مكون سياسي مشارك في مؤتمر الحوار الوطني، وحركة احتجاجية مشاركة في ثورة 2011م. يرى الكميم في ذلك دلالة واضحة على مدى "قوة تماسك الجبهة الداخلية"، ورسالة لحلفاء "التحالف" في الخارج التي يعتقد الكميم أنهم يواصلون "محاولات شق صف الجبهة الداخلية"، كما هي رسالة مزدوجة لنشطاء وأنصار قطبي صنعاء في الداخل، معتبراً كذلك في هذا التعيين صورة ناصعة البياض لواقع إجباري فرضه التدخل العسكري الخارجي و"جرائم العدوان بحق اليمنيين وأرضهم ومكتسباتهم"، وهو واقع يرى الكميم أنّه "ما كان له أن يتحقق أبداً قبل العدوان السعودي"، حسب تعبيره.
الخارج لـ"المؤتمر"... والداخل لـ"أنصار الله"
ومعلوم أن أداء الوزارات في أي حكومة هو تكاملي، ومسؤوليتها جماعية، كما أن منصب الوزير في الأساس هو منصب سياسي، لكنّ من خلال قراءة توزيع الحقائب الوزارية، يمكن استنتاج نوع من توزيع الملفات بين قطبي الحكومة، "المؤتمر" وحلفائه و"أنصار الله" وحلفائها، وهو توزيع ربما خضع لخلاصة تجربة عامين ماضيين من إدارة الشأن الداخلي، ومواجهة عواصف الخارج، من هنا يمكن فهم إسناد حقائب الخارجية، التخطيط والتعاون الدولي، المغتربين، التعليم العالي والبحث العلمي، لوزراء "المؤتمر"، ما يعني بوضوح إسناد ملف الشأن الخارجي برمّته لـ"المؤتمر"، وهنا يمكن قراءة تطور نوعي في تفاهمات الطرفين، وتطور سياسي عال في أداء "أنصار الله" الذي ربما أدركوا بعد حولين كاملين من "الجهاد" الخارجي صعوبة، إن لم يكن استحالة، تحقيقهم اختراقاً وطنياً شاملاً في جدار الملف الخارجي، في ظل تصنيف دولي للجماعة، وفق قواعد وأعراف دولية، تعتبرهم جماعة انقلابية، يتعذر حتى على المتعاطفين معها الاعتراف بها رسمياً.
ومع أن تحقيق أي نجاح حكومي في الشأن الداخلي الخدماتي، وخاصة في مجالات الكهرباء والمياه، مرهون بتحقيق ولو نجاح نسبي في الملف السياسي الخارجي والاستقرار السياسي الداخلي، فإن إسناد حقائب وزارية مثل الكهرباء والمياه والمالية، للجماعة الناشئة سياسياً، لا يخلو وفق مراقبين من رسائل متبادلة بين قطبي صنعاء، أرادت إعادة تقديم مفهوم السلطة من بوابة تقديم الخدمات والالتزامات.
"أنصار الله" إلى "الاندماج" من بوابة التعليم
وشن وزير الثقافة الأسبق، خالد الرويشان، هجوماً ضمنياً حاداً على "حزب المؤتمر"، على خلفية إسناد حقيبة وزارة التربية لـ"أنصار الله"، ممثلة بشقيق زعيم الجماعة والنائب في البرلمان، يحيى بدر الدين الحوثي، واعتبر الرويشان تسليم حقيبة التربية للجماعة "جريمة"، ومغامرة "بإنجازات نصف قرن من التضحيات والكفاح والتماسك الإجتماعي والتعليم". ويعتقد محللون سياسيون في إسناد حقيبة التربية لـ"أنصار الله" مماحكة سياسية لـ"حزب الاصلاح"، ويشكل "خطورة على مستقبل التعليم والأجيال".
لكن القيادي في "حزب المؤتمر"، عبدالباسط الكميم، يرى في ذلك، وفي ظل هذه المرحلة، تطوراً نوعياً في توجّه "أنصار الله" لعمل سياسي يؤسس لمكاسب سياسية مستقبلية محكومة ببرامج وخطط لكل الأحزاب والمكونات السياسية، بدلاً من "الانتشار بواسطة السلاح والعنف" حالياً، وبالتالي، يعرب الكميم في حديثه إلى "العربي" عن اعتقاده بأن "المؤتمر نجح في هذه المرحلة على الأقل في ما يمكن تسميته تسييس وجر أنصار الله إلى طريق آخر لتحقيق انتشار وتوسع مجتمعي وثقافي وفكري، بعيداً عن وسائل العنف والاحتراب".
...وخطاب المساجد بيد "المؤتمريين"
مقابل ذلك يمكن اعتبار تخلّي "أنصار الله" عن وزارة الأوقاف والارشاد، التي أسندت إلى "المؤتمر"، ممثلاً بخطيب "مواجهة الثورة" منذ العام 2011م، القاضي شرف القليصي، يمكن اعتباره تكتيكاً مرحلياً من قبل "أنصار الله"، ومقاربة بين خطرين، من قبل "المؤتمر"، والذي أراد بذلك إعادة ضبط إيقاع خطاب منبر المسجد على أوتار مواجهة الخطر الخارجي، والحفاظ على النسيج المجتمعي والتنوع المذهبي، كما جرت عليه العادة في ظل حكومات "المؤتمر" السابقة، وإيقاف منسوب خطر الاحتقان المجتمعي الملاحظ تصاعده في عدد من مساجد الجمهورية وعند كل صلاة جمعة.
حكومة "المحاصصة" أمام تحدي الرواتب
وحسب الكاتب والمحلل السياسي، صادق القاضي، فإنه "يُحسب لهذه الحكومة أنها تشكّلت وفق معايير يمنية خالصة، بعيدة عن التدخلات الأجنبية، كأوّل حكومة يمنية لا تفرض السعودية معاييرها في تشكيلها"، لكن ذلك حسب القاضي "لا يعفي القائمين على تشكيلها من عدم تلافي الحد الأدنى من عيوب المحاصصة، التي تجسدت فيها بشكل كارثي".
ويعتقد صادق القاضي أنها تشكلت كمناورة سياسية، أكثر من كونها تشكلت لمعالجة شؤون إجرائية خدمية ممكنة، خاصة وأنها، بدون تغير جوهري في الوضع المالي للبنك المركزي وموارد الدولة "ستعجز بالتأكيد عن دفع رواتب الموظفين".
التعليقات