ظلت عدن محطة أطماع الدول الاستعمارية لقرون، لا يخرج مستعمر إلا بدخول مستعمر آخر، حتى احتلتها بريطانيا عام 1835م، ولم تخرج من عدن إلا عام 1967م، بعد معارك دامية استمرت لأكثر من أربع سنوات، واجه خلالها الثوار، بشجاعة منقطعة النظير، أكبر ترسانة عسكرية في العالم آنذاك، وارتكبت بريطانيا مجازر وحشية وصبت حقدها على ردفان في عمليات برية وجوية بمختلف أنواع الأسلحة الفتاكة، فقتلت وشردت خلالها الآلاف، حتى انكسرت أمام صمود وبسالة الشعب اليمني، وتحقق له النصر في يوم الجلاء 30 نوفمبر 1967.
وليوم الجلاء معنى عظيم في وجدان الشعب اليمني، وفيه تم إخلاء جمهورية اليمن الديمقراطية من بقايا الاستعمار البريطاني الذي رزحت تحت سطوته البلاد أكثر من قرن، ولم ترحل القوات الغازية إلا بعد نضال طويل وتضحيات كبيرة قدمها الشعب، فاستحق بذلك أن ينال الحرية والشموخ بين الشعوب. وجاء 30 نوفمبر ليتوج تلك التضحيات ويؤسس لمرحلة جديدة من تاريخ اليمن، على أمل أن يعيش الإنسان اليمني حريته وكرامته، واستحق هذا اليوم أن يكون يوماً وطنياً يحتفل به اليمنيون في كل عام، ومع كل إطلالة له يشحذون هممهم للتخلص من كل أشكال الاستعمار الجديد، المتمثل بالوصاية والتبعية. يتذكرون تلك الدماء الزكية التي سالت من أجل اقتلاع الاستعمار ومن أجل أن يكون الجلاء تاماً وحقيقياً.
اليوم، وبعد مرور نصف قرن على الجلاء، لا يزال السؤال يراودنا: هل تم الجلاء فعلاً؟ هل تحققت آمال الشعب بالتحرر؟ أم أن بريطانيا خرجت من جنوب اليمن، وأوكلت أمرها للأنظمة الحاكمة في الجوار؟ ثم ماذا تفعل القواعد العسكرية البريطانية والأمريكية في الخليج؟
كان المستعمر يواجه شعباً متماسكاً شجاعاً، ووجد اليوم من يقوم بدوره، وأحال الشعب الذي أخرجه في 1967م إلى شظايا وبقايا تحرق بعضها، ليمارس دور الوسيط ويقدم المبادرات والحلول التي تتلاءم مع مصالحه وأطماعه وبقاء هيمنته، ليعيش الشعب اليوم محكوماً بيأس عميق أورثته إياه تجارب تاريخية طويلة ومريرة مع الاستعمار، ثم الوصاية والعزلة وقسوة الجيران، وحالة الحصار المزعجة التي منعته من استثمار ثرواته، وجعلته من أفقر شعوب العالم، رغم وفرة الثروات المهدورة وغير المستغلة، وموقعه الجغرافي الهام ومحيطه الغني.
وما هذه الحرب التي أحالت اليمن إلى دمار إلا جزء من مخطط استعماري لبقاء السيطرة على الثروة والموانئ الهامة في عدن وحضرموت والمهرة، لكسر إرادة الشعب بعد أن أراد انتزاع استقلاله وحريته في ثورته الخالدة في 11 فبراير 2011م.
غادرت بريطانيا ولكن دورها لم ينتهِ، وهذه الحروب التي تشهدها بلادنا ليست حدثاً عشوائياً وصراعاً داخلياً على المال والسلطة فقط، وإنما هي حرب مرتبطة بصراعات دولية وإقليمية، لها مآربها وأهدافها، ووراء هذه الأطراف من يسيرها ويديرها ويمولها، وتفصح الوثائق والأحداث عن مطامع المستعمر البريطاني ودوره في إدارة الصراع، من أجل استمرار وصايته واحتلاله لأهم المناطق الاستراتيجية في المنطقة، حيث يشكل الشريط الساحلي الممتد من باب المندب إلى ميناء عدن موقعاً استراتيجياً خطيراً، فهو علاوة على أهميته الاقتصادية يعتبر مدخلاً إلى القواعد العسكرية البريطانية المتواجدة في البحر الأحمر والخليج العربي، وهو باب لن تتركه بريطانيا لغيرها، ومدخل لا تريد بريطانيا أن يغلق أمامها في أي وقت، فالظروف الراهنة في المنطقة ليست مضمونة البقاء، وحالة الهدوء السائدة قد تتغير، ومصالحها في المنطقة قد تتبدد غداً بفعل طارئ ليس بالحسبان، ولهذا فإن الطريق يجب أن يكون سالكاً إلى منطقة الخليج، حيث تستطيع القوات الأمريكية والبريطانية أن تنفذ إليه بسرعة وتواجه أي خطر في منتصف الطريق بالأسلوب الذي تتقنه أكثر من غيرها.
ثم إن المستعمرات البريطانية والأمريكية، المسماة دول الخليج، لها دور آخر لا بد أن تقوم به، وهو دور الحاجز الذي يحمي ترسانتها العسكرية ومصالحها والثروات النفطية والطبيعية التي تستثمرها في المنطقة المستعمَرة، حتى وإن ظهرت أنها دول ذات سيادة، فهي سيادة اسمية، وهي فعلياً تحت الحماية والوصاية الأمريكية والبريطانية.
رحل الاستعمار، وحلت محله الأنظمة الحاكمة حالياً، ترعى مصالحه وتمارس القمع والعنف ضد شعوبها كالمستعمر وأكثر. خرجت الدول الاستعمارية وأبقت شركاتها الاستثمارية، وأعادت جيوشها بذريعة حماية تلك الشركات. ولا فرق بين الاستعمار القديم والجديد، ولن يكون الجلاء حقيقياً إلا بعد سقوط هذه المنظومات الحاكمة، مع تصحيح شامل للمواقع. موقع الوطن من المواطن، ليغدو الوطن والجماعة والسلطة في خدمة الفرد، وتتحقق الديمقراطية التي تحرر القرار السياسي من الغرف والدهاليز المظلمة، ليصبح القرار بيد الشعوب.
التعليقات