مقابل التدهور الإقتصادي والمعيشي المتفاقم جراء الأزمة والحروب، وانخفاض القدرة الشرائية للمستهلك إلى أدنى مستوى لها متأثرة بأزمة المرتبات، بدا ملحوظاً أن سوق "كتاب الرصيف" في العاصمة صنعاء يشهد انتعاشاً نسبياً، ما يعني أن شريحة واسعة من المجتمع اليمني، وهي شريحة المثقفين، لجأت مكرهةً إلى عرض كنوزها الفكرية للبيع على أرصفة الحاجة، وكما لو أن لسان حالها يقول "الكتاب الأبيض لليوم الأسود".
فعلى أرصفة ميدان التحرير بالعاصمة صنعاء، ترتص عشرات البسطات لعرض الكتب ذات العناوين المتنوعة ما بين الأدبي والعلمي والفكري والجنسي، وكتب التاريخ، والسحر والشعوذة، محاطة ببعض الصور وأغلفة المجلات الترفيهية، التي تثير جاذبية مرتادي هذه السوق، وتقدم أسعاراً يعتقد أنها معقولة.
يتحدث عبد الله أحمد، أحد باعة كتب الرصيف، إلى "العربي"، عن أن "ظروفاً اقتصادية واجتماعية دفعته لامتهان بيع الكتب على الشوارع"، ملاحظاً "زيادة المعروضات من عناوين الكتب منذ تفاقم أزمة المرتبات"، وأن "سعرها الزهيد يلبّي حاجة ذوي الدخل المحدود وطلاب الجامعات الذين يبحثون عن ضالتهم من المراجع والأبحاث العلمية"، مشيراً إلى "اقتناص البعض للكتب النادرة وذات القيمة التاريخية". يقول عبد الله إنهم "يستقبلون يومياً عشرات الكتب المعروضة للبيع، يعتقد أنها أفرغت من مكتبات خاصة، لشخصيات من الوسط الثقافي والأدبي"، وإنهم "يعرفون ذلك من خلال عناوين الكتب وتاريخ الطباعة". ويضيف أن "بعضهم يشعر بالخجل لمثل هذا الأمر، نتفهم ذلك وندرك أن الحاجة هي من دفعتهم لذلك".
تفاوت الميول
لم تعد أرصفة ميدان التحرير فقط حكراً على هذا النوع من التجارة، فظاهرة "كتاب الرصيف" باتت تنتشر في شوارع أخرى في العاصمة صنعاء. أمام وزارة الشباب والرياضة، يحتضن رصيف شارع الزبيري بسطة الشاب، وائل القدسي، الذي يبيع ما بين 13 إلى 15 كتاباً يومياً، وبقيمة تقريبية تصل إلى 12 ألف ريال (40 دولاراً تقريباً). في حديثه إلى "العربي"، يرى وائل أن "مستوى إقبال القراء على اقتناء الكتاب لم يتأثر بانخفاض القدرة الشرائية وأزمة المرتبات"، عارضاً مبيعاته خلال فترة الدوام الرسمي فقط، والتي تتراوح أسعارها ما بين 700 و1500 ريال. "قارئ طفران باع لي قبل فترة 10 روايات بمبلغ 3 ألف ريال (10 دولارات)". هكذا يروي القدسي، لـ"العربي"، طريقة حصوله على الكتب، لافتاً إلى "(أنني) اشتريها من مكتبات بالجملة، بأسعار تتراوح مابين 350 و500 ريال"، هذا غير شرائه لبعض المراجع من طلاب يدرسون في دول أخرى.
ويصنّف وائل عملاءه من حيث نوعية الكتب المشتراه وانتمائهم الجغرافي، فيلفت إلى أن "أصحاب تعز يقبلون على شراء الروايات، مثل روايات محمد عبد الولي، نادية الكوكباني، حبيب عبد الرب سروري"، معلقاً على ذلك بقوله "العيش في خيال"، متابعاً أن "أصحاب صنعاء يقبلون على شراء كتب التاريخ والسيرة، منها كتاب سيف بن ذي يزن"، ويشير إلى صنف ثالث من الكتب المباعة في بسطته هو "صنف الكتب الصوفية لأحمد بن علوان".
إخراج الممنوع
من جانبه، يروي الشاعر والكاتب، ناصر البنّاء، لـ"العربي"، قصّة مفكّر عربي مقيم في اليمن، اضطر مكرهاً لعرض وبيع مكتبته الخاصّة وجزء كبير من أثاث منزله قبل نحو شهرين. يقول البنّاء إنه "حاول حبس دموعه ولم يستطع من وطأة الألم الذي صاحبه على فراق مكتبته"، ويضيف أنه "كان مشهداً مؤلماً لأن الكتب كنز لا يمكن التفريط به باستهانة"، وبالتالي يرى البنّاء أن "الدافع الوحيد للإقدام على مثل هذا الأمر هو جدب خزينة المالية جرّاء الوضع الاقتصادي بشكل عام".
ومن خلال تنقله المستمر في أحياء العاصمة، يلاحظ البنّاء وجود الكثير من بسطات بيع الكتب المستحدثة، وقد تمكن خلال هذه الفترة من اقتناء مجموعة من نفائس وأمّهات الكتب، وبأسعار زهيدة جداً، موضحاً "(أنني) ما كنت لأستطيع شرائها في الماضي، بل وإيجاد مراجع كانت شبه معدومة في السابق حتى في مكتبات وأكشاك بيع الكتب المتخصصة"، وهو ما يعني، حسب البنّاء، أنّ هذه الكتب تم إخراجها من مخابئها لدى أصحابها.
وعلى نطاق ضيق، يُتناقل في مجالس الوسط الثقافي والأدبي في العاصمة صنعاء أن محتويات مكتبات المعاهد الثقافية والسفارات الأجنبية، التي أغلقت أبوابها عام 2014، أغرقت سوق " كتاب الرصيف" بالعاصمة صنعاء، هذا غير كمية كبيرة من الكتب الدينية والمصنفة ذات توجه سياسي معين، وذلك مخافة تعرّض مخازنها لعمليات مداهمة وملاحقة محتملة.
التعليقات