بفرط احتفاء تناقلت وسائل الإعلام السعودي خطاب رئيسة وزراء بريطانيا، تيريزا ماي، الذي ألقته في اجتماع القمة الخليجية الأخيرة في المنامة، نهاية الأسبوع الفائت. خطاب يمكن وصفه بالإنشائي إجمالاً؛ لكن ماي العجوز ذات الملامح الوسيمة وقصة الشعر الشبيهة بقصة شعر الأميرة الشهيرة الراحلة، ديانا سبنسر، أبدت براعة منقطعة النظير في العزف المتعاطف على أوتار الصدور السعودية الخليجية المسكونة بالذعر إزاء ضبابية مستقبل عروشها وكياناتها الآيلة للنفوق، تحت وطأة مآزقها البنيوية المعقدة.
بسخاء إنشائي، أغدقت الرئيسة البريطانية على الصدور المذعورة بتطميناتها التي تضمنت أقوالاً من قبيل "أمنكم أمننا؛ سنعمل سوياً، سنواجه،..."، وذهبت أبعد من ذلك في استحلاب أبقار البترول نظير تهدئة روعها، فقالت في معرض حديثها عن صورة التعاون الإقتصادي التجاري المأمول الخليجي البريطاني، إنها ستجعل من لندن "عاصمة إسلامية"!
لقد نجحت ماي في جعل الكيان السعودي تحديداً يتطامن حد مساحة ومضمون التناول الإعلامي الذي أفسحته وسائل إعلام المملكة لمجريات زيارتها وخطابها الحافل بتلميحات لـ"خطر النفوذ الإيراني في المنطقة"، كما تقتضيه أصول مغازلة خزائن البترودولار.
هذه الزيارة تعد الأولى للشرق الأوسط بالنسبة لخليفة ديفيد كاميرون، منذ توليها رئاسة وزراء بريطانيا، وأهم من ذلك فإنها أول ظهور بريطاني انفرادي في واجهة المشهد الخليجي الذي درجت العادة على أن تزاول لندن اتصالها به عبر السنترال الأمريكي، وبمعية واشنطن.
بدت تيريزا ماي كما لو أنها تطوي شريطاً سينمائياً مرتجعاً، وتثبته عند بدايات تكوين كيانات البترودولار، حيث لا يعود الذي يلقي خطابه الآن وسط حشد شيوخ وأمراء الصحراء المصغين بخشوع هو تيريزا العجوز، بل ضابط المخابرات البريطانية الشاب لورانس العرب، ممتطياً سنام فلاش رجعي ينتمي للعقد الثاني من القرن المنصرم.
مجدداً، تعود صنائع المخابرات البريطانية للحاضنة الأم، غير أن محاولات الإستكانة إلى رحم النشأة لن تمنحها ولادات فتية كالبدء، وإنما ستتيح للندن فسحة لإعادة المحاصصة على حصة غنائمية أثمن، باستثمار عجز أمريكا عن استنقاذ أبقار البترودولار العاثرة في طريق سيل المتغيرات في المنطقة، وتحديداً في سوريا واليمن والعراق ولبنان. فما الذي بوسع بريطانيا أن تمنحه للسعودية على مستوى كل من الملفات الآنفة؟! لا شيء أكثر من دفعها للقبول بخطة كيري في اليمن، وتعزيتها بسقوط حلب السورية من مخالب مسوخها، واستيعاب الدور المفصلي لقوات "الحشد الشعبي" في العراق كأمر واقع، مضافاً إليه الرضوخ سلفاً لمرشح "حزب الله" العماد ميشال عون رئيساً توافقياً للبنان، نهاية أكتوبر الفائت.
خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي كان شبيهاً بمغادرة سفينة غير مجدية وبلا وجهة، في حين أن الإندفاع البريطاني صوب خليج البترودولار بفنتازية وشغف شديدين كما يجري اليوم، هو شبيه بالنط إلى ظهر سفينة عامرة بالكنوز تغرق بمثابرة، ومن المفيد لصحة الدبلوماسية الإنجليزية الطفيلية أن تغنم ما أمكنها غنيمته قبل أن تستوي السفينة في القعر وتتلف كنوزها.
تلك هي فلسفة وزير خارجية بريطانيا، بوريس جونسون، التي لخصها في عبارته الشهيرة أيلول الفائت: "إذا امتنعنا عن بيع الأسلحة للسعودية فسيبيعها غيرنا"!
لسوء حظ الرياض أن ما تحتاج إليه لا تملكه لندن، بينما ما تحتاج إليه هذه الأخيرة تملكه الرياض.
تريد السعودية خلاصاً ناجزاً يثب بها إلى سطح هيلمانها الإقليمي الغابر، وما تملكه بريطانيا هو وفرة أسلحة كاسدة أو قيد التصنيع تحت الطلب، تضاعف احتمالات الغرق السعودي لا خلا، وهذا هو جوهر مأساة أبقار البترودولار في علاقاتها بمعامل استنساخها الغربية التي تمخضت عنها ذات سياق زمني موضوعي مغاير كلياً لراهن الواقع اليوم وطبيعة متغيراته، كماً ونوعاً ووجهة سيرورة.
وثمة أمر آخر لا ينفي وجوده إغضاءُ الخليج عنه، فبريطانيا تربطها علاقات يمكن القول إنها شبه جيدة مع إيران، ويتشاطر البلدان محددات مستقرة وراسخة منذ عقود على مستوى حضورهما التشاركي في سلطنة عمان، السلطنة ذاتها التي كانت قادرة وتمتلك الجرأة على أن تكبح جماح سياسة الإستحواذ السعودي في علاقاته بدول مجلس التعاون الخليجي؛ فقبل 8 أعوام أعلن السلطان قابوس بن سعيد رفضه مقترح إطلاق عملة نقدية موحدة للمجلس، وهدد بالخروج منه، ومنذ ذلك الحين توقف السلطان عن حضور جلسات القمم الخليجية شخصياً.
في سياق متصل، تنظر الرياض بامتعاض إلى دور عمان في التهيئة والتشبيك بين دول الخمسة + واحد من جهة وإيران من جهة مقابلة، والذي أفضى إلى الإنفراج المعروف على مستوى الملف النووي، والإقرار بحق طهران في امتلاك وإنتاج الطاقة النووية السلمية، ورفع العقوبات الأممية والدولية عنها. كما وترى الرياض في هذا الدور العماني المتنامي بخساً للريادة السعودية المتوهمة، وانتقاصاً فادحاً من وزن حضورها الإقليمي، والأسوأ من ذلك أنها تعتقد في قرارتها بأن وراء هذا النشاط العماني العابر للإقليم ضوءاً أخضر أمريكياً وتخويلاً من واشنطن لمسقط في الكواليس، وهذا يعني – حد اعتقاد الرياض – بدء العد التنازلي لأفول المملكة السعودية وانقضاء عصر الأخ الأكبر الذهبي.
إلى ذلك، فإن فسحة الحضور الذي تحتله عُمان على مستوى مقاربة الصراع في اليمن وعلى اليمن من زاوية محايدة خلافاً لدول الخليج المنخرطة في العدوان، برهان آخر على تضعضع قبضة الرياض خليجياً، وانتفاء أحادية الرؤية وتجانس المواقف بين دول مجلس التعاون، الأمر الذي يكرس عزلة المملكة، ويحتم عليها مواجهة ارتدادات عاصفة عدوانها على اليمن وحيدةً ومنبوذة.
لم تكن (الرياض) - ولا ريب - تحبذ أن تكون السلطنة حاضنة تدشين المشاورات حول خطة كيري، أو أن تنهض حكومة مسقط بدور الطرف الضامن والميسر لتنفيذ اتفاق المبادئ المنبثق عنها، غير أن عمان تبدو ناضجة للنهوض بالدور حد عدم النكوص وإخلاء الساحة للغطرسة السعودية، على النقيض للكويت التي جبنت عن انتهاز فرصة استضافة المشاورات اليمنية لمعاودة الحضور المائز، وشغل مكانها الخالي منذ 1991م على مسرح الفاعلية الإقليمية، تزلفاً لمزاج المملكة على حساب ذاتها.
وبالنسبة للإمارات – وهي دولة ضليعة في العدوان – فإن من الواضح أن المدير التنفيذي الأمريكي – البريطاني، تعمد أن يرسم لها دوراً نائياً يجعلها بمنأى عن أن تشاطر المملكة السعودية مآزقها كدولة قائدة للعدوان يوشك جنوبها أن ينهار وتعيش مدنها الكبرى وعاصمتها تحت رحمة ضربات باليستية واردة، فالإمارات استعاضت باكراً عن يافطة "الشرعية" بيافطة "مكافحة الإرهاب"، واكتفت ميدانياً بتواجد عددي عسكري ضئيل في جنوب اليمن، بعد أن سحبت جل قواتها البشرية.
إن لهاث ملك الزهايمر وسعيه لإصلاح ما أفسده الدهر من عافية مجلس التعاون المتهتك والمهترئ لن يعيد الشيخ إلى صباه، ومن المؤكد أن رقصه المبتذل في الدوحة تودداً للأمير القطري الشاب لم يؤتِ أُكله بقدر ما أفصح عن سوء مآل مليك كان يسحل أمراء وسلاطين ورؤساء الجوار من عروشهم وكراسيهم إلى بلاطه بإشارة من سبابته، فانتكس ليغدو بهلواناً ضمن سيرك جوال يتنقل متزلفاً عون الجوار الخليجي في مواجهة أقدام مقاتلي الجوار اليمني التي توشك أن تطأ مرقده في الدرعية.
بقي أن نشير إلى أنه، وفيما كانت جوقة أبقار البترودولار تصغي بخشوع متطامن لخطاب رئيسة وزراء بريطانيا، كانت قناة "بي بي سي" التابعة لهيئة الإذاعة البريطانية الحكومية، تجري لقاءً متلفزاً مع الرئيس اليمني الأسبق، علي عبدالله صالح، الذي تصفه وسائل إعلام التحالف السعودي الأمريكي بالمخلوع والإنقلابي، وهي مفارقة تنطوي على دلالة لا تخطئ أنوف النوق مضاضتها!
التعليقات