من بين 50 وكيلاً، ووكيلاً مساعداً لمحافظة صنعاء، وجدنا آخر الدوام الوظيفي اليومي وكيل المحافظة، فارس محمد صالح الكهالي، يستقبل المواطنين في مكتبه (واثنين آخرين من الوكلاء)، في ديوان محافظة تتّسع مشاكلها باتّساع مساحتها الشاسعة (12 ألف كيلو متراً مربعاً تقريباً)، وكثافة سكانها العالية (عدد سكّانها قرابة 1 مليون، يتوزّعون على 16 مديرية).
تحيط محافظة صنعاء بأمانة العاصمة من جميع الجهات، إحاطة السوار بالمعصم، ولذلك تتكرر قضايا التصادم الإداري وتنازع الإختصاصات، بين المسؤولين المختصين والسلطات المحلية في الطرفين المتشاركين في اسم "صنعاء"، والمستقلين عن بعض مالياً وإدارياً، في هذا السياق يكشف الوكيل، فارس الكهالي، في حواره التالي مع "العربي"، عن حيثيات وجذور وجوهر ما يمكن تسميتها "قضية صنعانية" بامتياز، ما يزال الحديث عنها خجولاً، إن لم يكن محظوراً، مشيراً إلى مجموعة من العوامل الجغرافية والتاريخية والاجتماعية، التي تجعل من محافظة صنعاء مناطق خط دفاعي مسؤول عن حماية أمانة العاصمة.

كمسؤول من بين عشرات الوكلاء في محافظة صنعاء، ما الذي تعلّمته من العمل الاداري في هذه المحافظة؟
محافظة صنعاء تعتبر ملح الرجال، والعمل فيها يمنحك فرصة اكتساب الخبرات الإدارية والاجتماعية والقبلية، فمحافظة صنعاء تتميز بتنوع قبلي، وتعايش حضاري، وتختلف فيها العادات والتقاليد والأعراف من منطقة لأخرى، مثلاً مديرية خولان تختلف عن مديرية مناخة، مديرية بني حشيش تختلف عن مديرية بلاد الروس، وأعتبر أن من يعمل مدير مديرية داخل محافظة صنعاء، فهو كمحافظ في محافظة أخرى.
معظم مديريات محافظة صنعاء جبهات احتراب، ومحاور صراع، ما تعليقكم على ذلك؟
وقوع معظم مديريات محافظة صنعاء ساحة للجبهات، ناتج عن كونها في الأساس خط دفاعي للعاصمة (أمانة العاصمة)، وفيها رجال مقاتلون، وربّما يفسّر ذلك لم لصنعاء من امتداد تاريخي، أو موروث حربي، وهناك عوامل عديدة تتجمع بين سكان هذه المحافظة، كدوافع ذاتية تدفعهم لمواجهة حملات الغزو الأجنبي، القديم والحديث، والصمود في وجه الغزاة والمحتلّين، ولا شك هي أيضاً ثقافة متوارثة عبر التاريخ، ومنذ مواجهة الأتراك وبريطانيا والأحباش، فصنعاء محافظة جبلية ذات ترابط مجتمعي قوي، تحكمها القوانين والأنظمة المحلية، وخليط من الأعراف القبلية والتي يمكن اعتبارها من منظور قانوني وقضائي أحكاماً ابتدائية، فمحافظة صنعاء تعد حامية للعاصمة، وفي زخم التنافس والحراك الثوري تشعر هذه المحافظة أنّ وظيفتها حماية العاصمة، في كل زمان، أو في كل صراع مسلّح وغزو خارجي.
ماهي أبرز مشاكل هذه المحافظة؟
صنعاء محافظة مترامية الأطراف، مشاكلها كثيرة وإيراداتها شحيحة، لكنها تعتبر طوق حماية لأمانة العاصمة، الحزام الأمني لأمانة العاصمة، ومشاكلها أو معاناة سكانها في هذه الظروف هي المعاناة الجماعية للشعب اليمني في عموم محافظات الجمهورية، تدهور الخدمات الصحية والغذائية، إنعدام وشحّ المشتقات النفطية والأدوية والبذور الزراعية وقطع غيار مضخّات المياه والحرّاثات، وتضرر الطرقات والمزارع والبيوت الزراعية، وذلك بفعل الحرب والحصار الاقتصادي المفروض على اليمن.
إلى أين وصلت قضية خلافات التداخل الإدراي بين المحافظة وأمانة العاصمة؟
خلافات التداخل الإداري لمحافظة صنعاء مع أمانة العاصمة هي في الحقيقة مشكلة مزمنة، وقد عقدت لقاءات متتالية خلال الفترة السابقة بين محافظ صنعاء، حنين محمد قطينة، وبين الشهيد عبد القادر هلال، أمين العاصمة السابق، وأفضت هذه اللقاءات إلى تفاهمات ووضع خطوط عريضة لحل هذه القضية في أطر قانونية. وقد شكّلت لجان من الطرفين لحل هذه القضية، لكن أعمالها توقّفت بعد استشهاد عبد القادر هلال، رحمه الله.
ماهي طبيعة أو جوهر الخلافات بين مسؤولي محافظة صنعاء ومسؤولي أمانة العاصمة؟ وأين يقع التصادم بالضبط؟
بعض الأوقات يقوم المختصون في أمانة العاصمة بتحصيل إيرادات هي واقعة في نطاق محافظة صنعاء، فعلى سبيل المثال منطقة بيت بوس، عضو المجلس المحلّي هناك تابع لمحافظة صنعاء، لكنّ أمانة العاصمة تسعى لتحصيل الايرادات هناك، في ظلّ مطالبتنا من أبناء المنطقة بتقديم الخدمات، ونقوم فعلاً بتقديم خدمات النظافة والأشغال وغيرها، وهكذا ينطبق على الوضع المثل "البقبقة للفقيه والبيض لعمران". (البقبقة تعني في بعض مناطق اليمن صياح الدجاجة عندما تكون في أيام إنتاجها للبيض، وهو مثل يضرب للدلالة على عدم الجدوى أو المنفعة من الاهتمام بشيء معين قد تذهب فائدته لناس آخرين).
ألا توجد حدود إدارية وجغرافية فاصلة تضع حداً لهذه النزاعات؟
في الأساس إنّ الرصيف الوسطي لشارع الخمسين هو الفاصل بين المحافظة وأمانة العاصمة، نهاية حدود أمانة العاصمة وبداية حدود محافظة صنعاء، وقد جرى العمل وفقاً لهذه القاعدة، لكنّهم في أمانة العاصمة يسعون لبسط أيدهم إلى شارع المئة، يقع على بعد بضع كيلو مترات من شارع الخمسين، وللأسف الشديد لا يلتزمون بحدود الأمانة، ولا يقدّمون الخدمة المطلوبة للمواطنين في محافظة صنعاء.
ما مستوى الانضباط الوظيفي في ديوان المحافظة، في ظل تأخر صرف المرتبات؟
طبيعي جداً، خاصة في ديوان المحافظة، ولم يتأثر الانضباط الوظيفي بتأخير المرتبات، ولا بالحرب، فالتزام الموظف بالدوام يعني مشاركة في الجبهة، ومقاومة وتحدي للعدوان، الذي أراد في الأساس تهجير السّكان من المدن، وخاصة أمانة العاصمة، وتعطيل مصالحهم، وعلى العكس لقد لاحظت زيادة في نسبة التزام الموظفين بالدوام.
يقال إن في المحافظة أكثر من 50 وكيلاً، لكن الموجود منهم اليوم، ونحن في ديوان المحافظة، 3 فقط، أنت أحدهم، ما تفسير ذلك؟
دعني أتحدّث عن نفسي، وأقول هذا الانضباط العالي لأكثر من 19 ألف موظف وفي هذه الظروف، منحني حافزاً قوياً للالتزام بالدوام اليومي كوكيل للمحافظة، نعتمد فيها نظام البصمة الوظيفية لضبط الدّوام.
بماذا تفسر التزام الموظفين بالدوام في غياب المرتبات؟
بعض الموظّفين يشعر أنّ الجلوس في المنزل هروب من مواجهة العدوان وتنصّل عن أداء واجب وطني، ونحن على قناعة أن هدف العدوان تعطيل الأعمال الإدارية في المؤسّسات الحكومية، ولذلك يستبسل الموظفون في إبقاء الحياة الإدارية والعملية طبيعية.
تُتهم بعض المؤسسات الحكومية باستحداث أوعية مالية جديدة لإيراداتها، هل وجّهت لكم مثل هذه الاتهامات؟
لا يوجد لدينا أي مبالغ مالية أو إيرادات يتم توريدها إلى أوعية غير الحسابات الرسمية في البنك المركزي اليمني، ولم تُستحدث أي حسابات لإيرادات خارج الأوعية الرّسمية، في الأصل إيراداتنا في محافظة صنعاء شحيحة، وتوريدها في حسابات أخرى مخالف للقانون.
ما هي أهم الآثار للحروب والتدخل العسكري الخارجي في هذه المحافظة؟
سجّلت محافظة صنعاء وقوع أكثر من 2100 ضحية ما بين شهداء وجرحى، بغارات طيران التحالف العربي منذ بدء عاصفة الحزم في مارس 2015، بين هؤلاء الضحايا عدد 160 سيدة، وعدد 200 طفل، وطبعاً هذه الإحصائيات غير نهائية في ظل استمرار غارات التحالف، والتي تسبّبت أيضاً في تدمير مئات المدارس والمصانع والجسور والطرقات ومحطّات الوقود وشاحنات نقل ومخازن المواد الغذائية، وآبار وخزّانات المياه والمزارع، ومحطّات شبكات الكهرباء والاتّصالات والمساجد والمراكز الطبية، خلافاً لتدمير وتضرّر الآلاف من منازل المواطنين وممتلكاتهم الخاصّة.
كيف واجهتم تداعيات الأزمة والحروب في قطاعي التربية والصحّة؟
تمّ تشكيل مجلس تربوي وصحي أعلى، برئاسة المحافظ، لترتيب أولويات المواجهة وتوفير الخدمات في القطاع التربوي والصحي، ومن ذلك إنزال أكثر من 1830 إدارياً متخصصاً في القطاع التربوي لتغطية العجز في المدارس والعمل كمدرسين للمواد التعليمية، بما في ذلك مدراء مكاتب التربية بالمديريات ونوّابهم، وفي القطاع الصحي جرى تفعيل الأداء في المستشفيات جميعها، وفي المراكز الصحية مرتبطة بنظام آلي، وتوفير الاحتياجات والعجز في الأدوية.
وجدنا في طريقنا إليكم مواطنين يشتكون انعدام مادة الغاز المنزلي؟
قمنا بضبط وملاحقة مخالفات محطّات الغاز المنزلي، وتوزيع الكمّيات المخصصة للمحافظة على المديريات، وتم تخصيص حصص لكل محطة، وتوجد حوالي 20 محطة لتعبئة الغاز المنزلي مرخّص لها وتعمل باستمرار، وذلك لتوفير المادة، ومحاصرة السوق السوداء للمادة، وبالتنسيق مع شركة الغاز.
التعليقات