"الموت من الجوع"، هذا ما انتهى إليه مصير اليمنيين في ظل حرب مشتعلة منذ عامين، وحصار خانق وتخاذل دولي إزاء الأوضاع الإنسانية.
منظمة الـ"يونيسف" أفادت، في بيان نشرته الثلاثاء، بأن "الأمراض وسوء التغذية يقتلان طفلاً يمنياً واحداً على الأقل كل عشر دقائق"، محذرة من أن "أكثر من مليوني طفل يعانون من سوء التغذية، وبحاجة إلى عناية عاجلة"، واصفة الأوضاع بأنها "كارثية".
وكشفت مصادر طبية، من جانبها، عن ازدياد عدد الوفيات التي تصاعدت وتيرتها، ليس نتيجة الإصابات المباشرة بالسلاح وحسب، ولكن بسبب الأمراض والأوبئة المنتشرة وانعدام المداواة الجماعية وقلة توفر اللقاحات والأدوية الضرورية، إضافة إلى عدم قيام السلطات بحملات مكافحة الحشرات باستخدام المبيدات واستعمالها من أجل الحيلولة دون انتشار الأمراض الوبائية الخطيرة.
ومع استمرار الحرب التي قلبت الأوضاع رأساً على عقب، ونسفت كل مشاريع السلام، وضاعفت من حجم الإنفاق العسكري على حساب مصالح البلد، تزايد استنزاف أموال السكان في عمليات اقتصادية ضارة، كأن تكدس أو تبذر أو تودع في الخارج، في ظل حصار خانق شمل كل المنافذ البرية والبحرية والجوية، وتقلصت بسببه جهود الإغاثة. يضاف إلى ذلك أن عجز البنك المركزي عن صرف المرتبات للموظفين الحكوميين في المدن الرئيسة، ومغادرة معظم شركات القطاع الخاص وضعف إنتاجيتها، أحال الشريحة الأكبر من اليمنيين إلى فقراء.
ويقول الدكتور فوزي الشامي، رئيس منظمة "سراج" للتنمية، المتخصصة في مجال التنمية الإقتصادية الإجتماعية، لـ"العربي"، إن "المجاعة اجتاحت كافة المناطق اليمنية وتجلت ذروتها في محافظة الحديدة التي تضاعفت فيها مستويات الفقر، إضافة إلى شح الموارد وقلة فرص العمل والكسب، وحالات سوء التغذية، وعجز أسر بالآلاف عن إطعام أبنائها، لكن المجاعة شملت كل المناطق اليمنية بلا استثناء، وتتزايد حالاتها يوماً بعد يوم".
وأكد أن "المساعدات الإنسانية التي تدخل إلى اليمن لا تفي باحتياجات مخيمات النزوح التي تشرف عليها منظمات الأمم المتحدة، فضلاً عن محافظات بأكملها تشهد أوضاعاً إنسانية سيئة، يزيدها الشتاء القارس تعقيداً". ولفت إلى أن "بعض المنظمات تشكو من حجز المساعدات لدى المليشيات المسلحة، علاوة على شحها"، معتبراً أنه "لو كانت المنظمات الدولية جادة في تخفيف معاناة اليمنيين لضغطت على دول التحالف لفتح المطارات والمنافذ البرية والبحرية في مختلف المناطق اليمنية من أجل تكثيف المساعدات الإغاثية لمواجهة المجاعة في اليمن، وتسهيل سفر اليمنيين لتلقي العلاج، والضغط على المجتمع الدولي من أجل توفير السيولة المالية في البنوك المحلية لتسيير حركة الإقتصاد ولو بالحد الأدنى، ما لم فإن الكارثة ستتفاقم"، مشيراً إلى أن "الإغاثة المحلية في الوقت الحالي ساهمت بدور أكبر من المنظمات الدولية".
وأظهرت صور انتشرت في موقع التواصل الإجتماعي "فيسبوك" من عدة مدن يمنية فظاعة المأساة وأثر المجاعة على أجساد الأطفال والنساء والشيوخ، بينما ينتظر الملايين المصير ذاته نتيجة استمرار الحصار وتعثر الحلول. تلك الصور المفجعة أثارت موجة من الإستنكار وحملات محلية للتبرع بالغذاء لبعض المناطق المنكوبة، لكن كل جهود الإغاثة المحلية غير كافية للحد من معاناة الملايين.
مخيمات النازحين في اليمن هي الأخرى تفتقر إلى الحاجات الأساسية، كالماء والكهرباء والحمامات، فضلا عن نقص كبير في الدواء والمرافق الصحية. ويشكو النازحون من تهريب كميات كبيرة من المساعدات الغذائية خارج المخيمات، التي تعاني أيضاً من تكدس القمامة، الأمر الذي أدى إلى انتشار الأمراض المعوية والأمراض الناتجة عن البرد كالزكام وغيره، دون وجود مركز طبي لتقديم الرعاية الصحية للنازحين.
ودعت الناشطة المجتمعية، ندى محمد، إلى نشر عرائض إلكترونية ومطالبات شعبية بفك الحصار ولفت أنظار العالم إلى الأوضاع المأساوية التي يعيشها اليمنيون، وحاجتهم إلى مضاعفة جهود الإغاثة لتشمل كافة المناطق اليمنية من أجل إنهاء هذه المعاناة، متهمة قوات "التحالف" بأنها "تفرض تعتيماً شاملاً على حالة اليمنيين".
ويقدر عدد الذين تصلهم المساعدات بواقع سلة غذائية كل خمسة أشهر عبر المنظمات الدولية بعشرات الآلاف فقط، من بين ملايين المتضررين، ما اضطر البعض إلى أكل أوراق شجر الحلص لسد رمقهم.
والجائعون وإن كانوا يعيشون واقعاً، إلا أن الجوع يهد قواهم والأمراض الناتجة عن ذلك تنخرهم. و يعد سوء التغذية سبباً رئيساً للكثير من العلل والأسقام، وتبقى الحرب هي علة العلل وسبب الكوارث البيئية والإجتماعية. ونظراً لحالة اللاإستقرار السياسي، واستمرار أعمال العنف، تبقى المسؤولية ملقاة على عاتق منظمات الإغاثة الدولية بالمقام الأول، من أجل التخفيف من هذه المعاناة، والضغط على كل أطراف النزاع بمن فيهم قوى "التحالف" من أجل إنهاء الحصار وتسهيل وصول المواد الصحية والغذائية إلى المناطق كافة. كذلك، من الضروري العمل بكل الوسائل التي لا بد منها لحماية المدنيين، وتوفير الكميات الكافية من المواد الغذائية، وتحسين الخدمات الصحية داخل المخيمات، والحد من انتشار الأمراض المعدية، وتوفير الرعاية الصحية الكافية.
التعليقات