إذا كان التاريخ في - المفهوم الماركسي – هو تاريخ الطبقة المسيطرة، فإن معظم المدونات التاريخية الرسمية السائدة اليوم عن البعثة المحمدية، هي انعكاس لرؤى ومفاهيم ومصالح طبقة الإقطاع العربي القرشي ذي النزعة التجارية والملوكية التي احتالت على المد المحمدي القيمي الثوري التحرري، بالإنضواء فيه، ومن ثم تجيير مضامينه لجهة تأبيد سيطرتها ومدِّ نفوذها في مشارق الدنيا ومغاربها تحت خفق بيارقه المفرغة من جوهرها الإنساني السامي، والممتلئة بأهواء ونزوات سلاطين وأمراء ما يسمى "الفتح الإسلامي".
هكذا يحضر رسول الرحمة بوصفه أعرابياً فظاً غليظ القلب، في المدونات الرسمية، على النقيض لما وصفه به خالقه من رحمة ولين وسماحة روح، في حين يغدو الجهاد في سبيل الله توسُّعاً يستهدف من خلاله السلاطين والأمراء مراكمة الذهب والفضة والضِّيَع والإقطاعيات وملك اليمين من الجواري والمحظيات والقيان والغلمان والمخصيين، لا جهاداً يستهدف الدفاع عن المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، وتحرير الإنسان من أكبال الجور والإقصاء والتعبيد والرق ودهس الآدمية.
لقد انهارت امبراطورية الأكاسرة والقياصرة، وكان المتوقع أن يدخل المستضعفون والمقهورون في كنف العدالة الإسلامية المحمدية أفواجاً، وينعتقوا من أصفاد وأنيار الإمتهان وبخس الآدمية المكرمة، غير أن الإقطاع القرشي الأموي والعباسي بعده أدخلهم في حظائر الإسترقاق والتعبيد زرافات ووحداناً من كل لون وجنس، واستعاضت مقاصير الإقطاع عن خسارة بلال الحبشي وصهيب الرومي وسلمان الفارسي، بمليون بلال وصهيب وسلمان مجلوبين من كل الأصقاع ضمن خراج الغزوات، مسلسلين ومسحولين بسنابك خيول القافلة من البلدان "المفتوحة" لنزوات البلاط؛ فارتفعت قلاع أكاسرة وقياصرة العرب على أنقاض قلاع أكاسرة الفرس وقياصرة الرومان، وخمدت نار المجوس لتندلع نار هندٍ وذراريها، وتبلغ ذروة اشتعالها مع طفور النفط، فيجري وصل ما انقطع من أعقاب هند ويزيد بتخليق بذرة بني سعود وتكثيرها على أيدي المخابرات التجارية البريطانية.
إن التاريخ العربي الإسلامي مكتوبٌ بسنابك خيل الإقطاع العابرة على أجساد المقهورين صوب العرش. وإذا كان جوهر الإسلام المحمدي يقتضي أن يثور المقهورون في وجه الجبابرة المتسربلين رقاع الإسلام والإنسانية والديمقراطية والحريات والحقوق، خداعاً واحتيالاً، فإن على المقهورين أن يسقطوا سلطة الجبابرة – لا على العروش والجيوش والخزائن فحسب – بل سلطتهم على النص القرآني والمناهج التربوية والروايات التاريخية والأدب والشعر والفنون، ليعيدوا تصويب بوصلة القيم والدلالات كلازمة لقيام دولة العدالة والمساواة والسلام والخير ونبذ العصبيات ونفي عبودية البشر للبشر واستغلال الخواص للعوام والعلية للدهماء والمالك للأجير.
لم يبعث الله محمداً صلى الله عليه وعلى آله، ليوزع على البشرية حلوى الحرية، وإنما ليعلمهم كيف ينتزعون حريتهم من أقبية الجلادين وحظائر الإقطاع والهيمنة والوصاية، بأن يتجرعوا حنظل الثورة، ويكتبوا صكوك انعتاقهم بدمائهم. لقد وضع الإسلام المحمدي البشرية على أول طريق الحرية، ولم يكن لزاماً على نبي الرحمة أن يعبر بهم إلى مطاف بحبوحتها الأخير، وإنما أن يأخذوا من الحرية حصصاً مكافئة لمقدار كدحهم على طريقها المضني الشائك الشاق وغير الممهد، وهذا هو تأويل الأثمان الضخمة التي دفعها السالكون على هذا الصراط التحرري منذ فجر التاريخ، وصولاً إلى ما ندفعه اليوم من أثمان نحن اليمنيين، نظير انعتاقنا من ربقة الوصاية والتوق لبناء ذاتنا المستقلة الحرة الكريمة الفاعلة التي تتبادل المصالح المشروعة مع الآخرين من موقع الندية، لا كيدٍ سفلى متوسلة تتسول فتات الصدقات وفضول المكرمات والمنح.
إن محمداً الذي اصطفته يد المشيئة الإلهية، ولم تزور ملامحه ريشة الإقطاع الأموي العباسي العثماني السعودي، هو حيٌّ يتصدر طلائع زحفنا اليمني اليوم وكدح شعبنا المكلوم المستضعف على طريق نيل حريته. محمد الثورة والرفض والطموح الإنساني الخلاق والصبر والصمود والجهاد والتضحية وتقريب الأنفس على مذبح مقارعة الإستكبار، هو حاضرٌ اليوم على شفاه اليمانيين وفي سواعد مقاتلي الجيش واللجان الشعبية وضمائر أبناء شعبنا الشريف وسبابة قيادتنا الثورية والسياسية وهي تشير صوب مطلع شمس لا غروب يحد شروقها.
محمدٌ رسول الله وخاتم أنبيائه، لم يعد محض ذكرى في اليمن، بل واقع حي يتنفسه شعبنا ويعيشه ويتأسَّاه جوهراً لا قشوراً، وهذا هو مبعث سخط وتذمر وامتعاض منافقي الداخل والخارج المحسوبين على الإسلام من احتفالنا بذكرى مولده، سامقي الهامات أشداء على الكفار والغزاة والمحتلين، رحماء بيننا من مران إلى حلب إلى الموصل إلى هافانا وكاراكاس.
التعليقات