على الرغم من طغيان عالم الموضة بكل أشكالها وألوانها على ساحة الملبوسات النسوية، ما تزال الستارة الصنعانية (وهي نوع من أنواع الرداء ترتديه المرأة في صنعاء خارج المنزل) حاضرة بقوة بشكلها الجمالي المتميز وألوانها الجذابة، وما تزال تقاوم زحف الموضة الحديثة، كما لو أنها جزء من شخصية المرأة والبيئة الصنعانية. قطعة قماشية مربعة الشكل، مفعمة بالألوان والزخارف، تبدو كلوحة فنية متحركة تسحر ناظريها، يقف السياح الأجانب للفرجة على تفاصيلها، ويقبلون على اقتنائها، كواحدة من عناصر التراث اليمني الزاخر بالملبوسات التقليدية المتنوعة بتنوع تضاريس اليمن ومناخها، ولذلك فقد اكتسبت الستارة الصنعانية شهرة واسعة بين الأجانب القادمين إلى اليمن، فسحرتهم بألوانها الخلابة، وبدت لهم كما لو أنها لوحة سوريالية رسمها أحد عباقرة الرسم الأوروبي في القرون القديمة.
قبل اشتعال الحروب منذ العام 2015م، كانت اليمن تعجّ بالسياح الأجانب من مختلف دول أوروبا وأسيا، وكان منظراً مألوفاً رؤية الأجانب أفواجاً وهم يرتدون الملابس التقليدية اليمنية، لدرجة أنك لا تستطيع التفريق في بعض الأحيان بين الأجنبي واليمني، خصوصاً الأجانب الذين يمكثون لفترات طويلة في اليمن. ويقول بائع الملبوسات التقليدية في مدينة صنعاء القديمة، أحمد الوصابي، إن الستارة الصنعانية كانت إحدى المغريات التي يعجز السياح الأجانب عن مقاومة سحرها وألوانها، مؤكداً أن السياح الأجانب كانوا يقومون بشراء كميات كبيرة من الستارة الصنعانية للارتداء وإهداء أصدقائهم عينات منها عند العودة إلى بلدانهم. ويتحدث الوصابي عن رداء نسوي مكمل للستارة، أشار إلى أنه يوضع على الرأس ويسمى "المغموق"، وهو في العادة مصنوع من الحرير أو القطن، وعادة ما يكون لونه أسود بالإضافة إلى نقوش باللونين الأبيض والأحمر بشكل دائري.
لايوجد توثيق واضح لبداية ظهور الستارة الصنعانية، لكن بائع الملبوسات النسائية، أحمد الوصابي، يروي، في حديثه إلى "العربي"، أن بعض القصص التاريخية تشير إلى أن الإمام الهادي يحيى بن الحسين عندما جاء من صعدة إلى صنعاء، أمر النساء بلف أجسادهن بقطعة قماش عند خروجهن من منازلهن، وبالتالي يعتقد الوصابي أنه في تلك الفترة كانت بداية استخدام الستارة التي ما زالت مستخدمة حتى الآن في مدينة صنعاء وفي المناطق المجاورة لها، مثل بني حشيش وسنحان وحبابة وخولان وغيرها، "لكن ليس بنفس الكثافة التي كانت عليها قبل تحوّل النساء إلى ارتداء العبايات السوداء".
وشهدت الستارة الصنعانية، التي كانت تسمى "المصون"، تطورات عدة قبل أن تصل إلى وضعها الحالي. وثمة من يرى أوجه شبه بين نقوش العمارة في صنعاء القديمة، وبين نقوش الستارة الصنعانية. كما يمكن ملاحظة استخدام الستارة الصنعانية على جنازة المرأة المتوفية أثناء تشييع جثمانها، كتقليد صنعاني يميّز جنازة الأنثى عن جنازة الذكر، التي تلف بسجادة أو "لحفة" ذات ألوان زاهية. وإجمالاً، فإن قصة الستارة الصنعانية ما تزال مادة خصبة وغنية بالأسرار والحكايات، يفتقر الباحث حولها إلى الكثير من المعلومات والقصص المتناقلة في عالم كبار السن في مدينة صنعاء وضواحيها تحديداً، الأمر الذي يجعل من مهمة الحفاظ على التراث الشعبي اليمني بمختلف ألوانه مهمّة تقتضي أولاً توفير المعلومات والدراسات الكافية، والتي توثق لكل عنصر من عناصر هذا المخزون المتنوع، ومن ثم مواصلة جهود الحفاظ عليه وحمايته من الإندثار بمشاريع جديدة تجمع ما بين الأصالة والمعاصرة ومواكبة التطور المجتمعي، وتعزّز في الوقت نفسه من حضور الخصوصية اليمنية.
التعليقات