لم يقرع جرس الفسحة ولا جرس الانصراف الثلاثاء الفائت في مدرسة الفلاح ـ بنات، في بيت معصار بمديرية نهم ـ محافظة صنعاء. كالعادة احتشدت التلميذات حول سارية العلم الجمهوري مع الزخات الأولى لشمس شتوية فاترة، صفقن لفقرات الإذاعة المدرسية، ورددن كلمات النشيد الوطني بحماسة طفولية مبرأة من شوائب الكيد السياسي، ثم اندفعن إلى قاعات الدرس، و... في العاشرة صباحاً صرن مجرد خبر عاجل على شاشات التلفزة الوطنية لا يسترعي انتباه العالم.
باكراً حضرت "الإف 16" إلى سماء المدرسة الريفية بنهم، وباكراً قرعت جرس الانصراف، غير أن السقوف والجدران المنهارة بفعل الغارة الجوية الجبانة حالت دون أن تطلق التلميذات صيحات الفرح بانقضاء يوم دراسي، أو يهزجن في كورال واحد متدافعات صوب بوابة الخروج "راحة روّاحة... نأكل تفاحة". 25 معلمة وطالبة استشهدن أو جرحن كحصيلة أولية لضحايا الغارة السعودية الأمريكية ـ على المدرسة، فيما لا يزال التنقيب تحت الأنقاض جارياً والعدد مرشح للارتفاع.
نهم التي سيطرت عليها وسائط ميديا العدوان مئات المرات، هي نسخة مزورة ومغايرة كلياً لنهم التي أسقطت رهانات تحالف الاحتلال على الواقع، وطعنت قوى الغزو الكوني في سويداء فحولتها العسكرية، فاستحقت ـ بحساب العدو ـ أن تصلى جحيم نقمته الجوية حجراً وبشراً ومزارع ومضخات مياه وأسواقاً ومدارس ومرافق عامة، ثأراً لنزواته النفسية المنحطة الساقطة وكمعادل موضوعي لعجزه عن اجتياح ترابها الطاهر براً، وخيبة آلاف زحوفاته النازية في تطويع جبالها وهضابها المنيعة كممر صوب عاصمة الصمود صنعاء.
يلهث تحالف العدوان السعودي الأمريكي بشبق فاجر منذ عامين لتحصيل معطيات ميدانية على أية جبهة ممكنة، تتيح له ادعاء النصر، وفيما إذا كان هدفه من العدوان على اليمن تحطيم رقم قياسي على مستوى ارتكاب المجازر بحق اليمنيين وتقويض البنى التحتية، فإن المعطيات المتحصلة ميدانياً تجزم بأنه قد انتصر في وقت مبكر من بدء عدوانه على اليمن نصراً مؤزراً يخوله دخول "جينيس" بجدارة، وآن له أن يوقف دولاب الموت.
بينما تبدو ممكنات ادعاء النصر بعد عامين معدومة تماماً تحت دعوى "إعادة الشرعية وإنهاء الانقلاب" المعلنة، ومعطيات تحققها ميدانياً مستحيلة، في مقابل سطوع براهين الهزيمة النكراء التي مُني بها على يد المقاتل اليمني وارتداد سكين الكيد السعودي لليمن في نحر المملكة بما يحتم عليها لتتلافى حتفها الوشيك أن توقف دولاب الموت فوراً.
في حالة بلد مستقل ويملك زمام قراره فإن الحد الأقصى من النصر يقتضي كبح تداعيات عدوانه عند الحد الأدنى من الهزيمة السافرة في هذه اللحظة من عمر الاشتباك، إلا أن نظاماً مستلباً لمهندسي شركات النفط الاستعمارية البريطانية الأمريكية، حال النظام السعودي لا يمكنه إلا الإنزلاق إلى قعر الوحل بالقصور الذاتي عشماً في استعادة توازنه الوجودي المختل والمترنح، والنتيجة نضوج عوامل انهياره وتلاشيه أكثر فأكثر كلما تمادى في عدوانه.
إن مجزرة العدوان السعودي الأمريكي بحق تلميذات مدرسة الفلاح في مديرية نهم بمحافظة صنعاء، تشبه إلى حد بعيد مجزرته بحق ألوف المعزين في الصالة الكبرى بالعاصمة حد توصيف أحد الزملاء، والحصيلة انسداد أفق محاولات تعديل موازين القوى على الأرض كلياً أمام العدوان لصالح تعميق وتمتين التلاحم الشعبي اليمني في مواجهته وتشريع أفق رد عسكري مفتوح وأكثر إيلاماً ونجاعة من حيث الردع أمام الجيش واللجان الشعبية... وإن غداً لناظره قريب.
التعليقات