العرب لا يتوزعون على أكثر من 22 منطقة جغرافية معزولة عن بعضها فقط، فداخل هذا التقسيم الجغرافي السياسي العديد من الأقسام الجغرافية الداخلية، وفي الوقت نفسه داخل كل منطقة تعيش أقسام مختلفة متباينة على أساس الطائفة والمعتقد والتوجه السياسي والحزبي والفئوي والقبلي. هذا الشتات المناطقي والفكري والسياسي تغذيه مادة أساسية تؤدي دورها بإتقان لتعزيز الشتات ومن ثم الصراع الذي يبدأ بارداً ليتحول بعد ذلك إلى حروب مفتوحة تدمر معها الشعوب والمجتمعات. هذه المادة الأساسية هي التناقض، وهو العامل المشترك الأساسي الناتج من خلل أساسي في منظومة القيم داخل المجتمع، من حيث المرجعية التي تستند إليها.
التناقض يتغلغل داخل المجتمعات، فتجد هناك مستويين في التعامل: مستوى يناسب المجتمع والقواعد التي يضعها والمعايير التي هي غالباً لا تتناسب مع حاجته ولا متطلباته، ومستوى عميق وفاعل وهو يختلف تماماً عن المستوى الظاهر والعام، وهو المستوى الفاعل بكل قوته. ومن تناقض هذين المستويين تنشأ كل المشكلات. تجد الحديث عن الزهد والورع، وفي الوقت نفسه تجد الظاهر هو الطمع والجشع والتسلط ونزعة الإستحواذ. وتجد التعاليم التي تنادي بالرحمة والتعاون والتكاتف، ولكن لا ترى إلا التباغض والعداء والتقاطع. تجد الحديث عن الكرامة والإباء وتجد التجلي الحقيقي للإهانة والإذلال والخضوع.
المشكلة الأساسية أن أغلب القيم العليا تفقد امتدادها الإنساني، وحين تفقد قيمة ما جانبها الإنساني الواسع فإنها تتحول إلى عنصر خطر على المجتمع نفسه وعلى الإنسانية أيضاً. قيمة مثل الرحمة والتعاون لكي تكون حقيقية وفاعلة فإنها ينبغي أن تكون لكل ما هو إنساني، بغض النظر عن مكان هذا الإنسان أو عرقه أو دينه أو توجهه السياسي. القيم العليا قيم إجمالية، ومتى ما تم حصرها في أشخاص أو أقوام أو جماعات معينة فإنها تشتغل بمفعول عكسي يخالف بعدها الإنساني الحقيقي. لا معنى أبداً لمن ينادي بالتعاون بين جماعة معينة أو شعب معين أو فئة معينة أو قبيلة أو حزب أو... أو... إلخ، هذا هو تعاون الجماعات والعصابات وليس التعاون الإنساني. ولا معنى للرحمة فقط بين الأخ وأخيه في جماعة أو مذهب أو وطن، فإنها هنا كمن يرحم ذاته لأنه يرحم امتداداه في الجماعة أو الوطن أو الحزب أو المذهب. الرحمة الحقيقية رحمة مفتوحة لا تستثني أحداً بشراً كان أو حيواناً، هذه هي الرحمة الحقيقية.
نحتاج إعادة موضعة لمفاهيمنا للقيم، لتكون على أسس إنسانية بعيداً عن التوصيف الضيق لها، وتحويلها من أدوات في الصراع السياسي والديني والاجتماعي إلى أدوات للبناء الإنساني العام. فنحن جزء من هذه الإنسانية وينبغي أن نعود إليها بلا تعصب ضيق يضيِّق الأفق على الآخرين فيضيق بنا أولاً، وحينها لن تجد هذا التناقض الذي يقصم ظهر المجتمع ويغرقه في فوضى التناحر والتقاتل. التناقض هو الناتج الحقيقي لهذا الخلل الكبير في سلم القيم، التي ينبغي أن تستعيد إنسانيتها كي نستعيد إنسانيتنا نحن.
التعليقات