يعيش العالم العربي، نظرياً، وفق أدبيات مستمدة من كتب التاريخ ومروياته عن العروبة والقيم العربية الأصيلة، كالكرم والشجاعة وإغاثة الملهوف، في حين يعيش واقعاً ممتداً من قيم الرأسمالية في تجلياتها الأشد قبحاً، من الأنانية والاسئثار بالمال في أيدي نخبة لا تتعدى جزءاً من أعشار المجتمع تتحكم بأقوات البقية ومصائرهم. وبين هذا البون الشاسع الماثل بين ناحية نظرية تقدس القيم الأصيلة في المحتوى الثقافي، وناحية عملية تمارس أنانية الرأسمالية من احتكار واستغلال ومتاجرة بالمتاح على حساب أقوات الناس وآلامهم ومعاناتهم، يتجلى التناقض الأصيل الذي لا يبقى عند هذه الحالة فقط، بل يصل إلى كل ما عداه على نواح عدة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.
يتحدثون، نخباً سياسية وفكرية ووسائل رسمية، عن التسامح والإخاء والمساواة التي تجعل الناس جميعهم كأسنان المشط، ومن ثم يصمون المجتمعات الأخرى بالعنصرية والحقد على العرب والمسلمين. يترصدون الأحداث التي يتعرض لها الناس في مجتمعات بعيدة لا تستند أصلاً إلى زعم القيم الأصيلة بقدر ما ترتكز على قيم القانون والأنظمة، فيعتبرون أي تعد انتهاكاً للانسانية وعنصرية وعداءً للعرب وللمسلمين، وهم في الوقت نفسه يمارسون عنصرية ممنهجة على مستوى المجتمع نفسه وعلى مستوى القوانين والأنظمة، عنصرية ضد الآخر المختلف معهم في الدين والمذهب والعقيدة، وعنصرية ضد النساء، وعنصرية ضد المختلف في اللون، بل إن العنصرية تصل إلى تفاصيل التفاصيل في أعماق المجتمعات، فأهل منطقة ينظرون إلى أهل الأخرى بأنهم منتقصون وأنهم لا يرتقون إلى مستواهم، وأصحاب مهنة معينة يعدون غيرهم ناقصين وغير مكتملين لينافسوهم مكانتهم أو سلطتهم.
وتصل الممارسات العنصرية حداً لا تقف معه عند مستوى الإعتقاد فقط، بل تصل إلى الممارسة، سواء بين الدول أو داخل المجتمعات، وكم هناك من الجرائم التي ترتكب بتواطؤ من الأنماط الثقافية داخل المجتمعات، التي ترى هذه العنصرية جزءاً أساسياً من أنظمتها وضمان ديمومتها!
لست أدري كيف يحق لمن يمارس عنصرية ضد آخر يعمل في مدينته لأنه من مدينة أو منطقة أخرى، أن ينتقد عنصرية ترامب؟ كيف يحق لمن يمارس احتقار غيره بسبب منطقته أو مهنته أو لونه، أن ينتقد حادثة فردية في أوروبا أو أمريكا أو أي مكان آخر تحمل خلفيات عنصرية؟ ليعلم هؤلاء أن العنصرية تكمن في تكويناتهم وتشكيل ثقافتهم، وعليهم مراجعة هذا المحتوى قبل أن ينتقدوا سواهم، ولكنهم واقعون تحت تخدير نسقية هذه الإعتقادات حتى أنهم يرونها هي الأصل وما عداها هو الشذوذ.
إن من ملامح التناقضات الأصيلة ردود الفعل العميقة في المجتمع تجاه الأحداث الكبرى السياسية التي تحصل داخله. غزا صدام الكويت فانقسمت المجتمعات العربية إلى مؤيد ومعارض، والذين أيدوا الغزو هم أنفسهم اعترضوا على ضرب العراق واعتبروه اعتداءً. ألم يكن غزو الكويت اعتداءً أيضاً؟ لماذا يتغير مفهوم الإعتداء؟ أتفرق مع الضحية هوية القاتل؟ ألا يعلمون أن القاتل القريب أشد وطأة من القاتل البعيد؟
هذا الإنقسام هو أيضاً ما يحصل الآن في سوريا، فمجموعة تؤيد ضربات روسيا للأهداف داخل سوريا مع ما تحمله من قتل للمدنيين، وفي الوقت نفسه تعارض ضربات أمريكا للأهداف داخل سوريا. طبعاً كل طرف سيسوق مبرراته، ولكنها مبررات غير مقبولة لأنها جميعاً لا ترتكز على أساس وثيق يحرم الإعتداء بالدرجة الأولى، الاعتداء على النفس الإنسانية بغض النظر عن هويتها أو مرجعيتها. لا يمكن الوصول إلى الإنسجام الذاتي داخل هذه المجتمعات ما لم تتخل عن التناقض الأصيل في الممارسات، وقبل ذلك ينبغي إزالة هذا التناقض في الوعي الذي يقدس العنصرية بمختلف تشكلاتها، وفي الوقت نفسه لا يراها إلا حين يقوم بها الآخرون.
التعليقات