يتساءل الكثيرون في شمال اليمن عن السبب الذي يجعل أغلب الجنوبيين يتخذون موقفاً كارهاً للوحدة وكل ما يرتبط بها، بل يصل بالبعض إلى معاداة كل ما هو مرتبط بالشمال من تاريخ أو ثقافة أو عادات أو تقاليد، وكراهية كل ما يتعلق باليمن ككل، والعمل على البحث عن هوية بديلة عن هذه الهوية التي ناضل الجنوبيون أنفسهم من أجل ترسيخها عبر العقود السابقة.
هذا الذي يتساءل عن سبب هذه الكراهية لا يعلم أن الجنوبيين قبل العام 1990 كانوا من أكثر المتعصبين للوحدة، وهم من جعلوها شعاراً يرددونه في فعالياتهم ومؤتمراتهم وندواتهم ومدارسهم، بل وخاضوا حروباً مع الشمال من أجل هذه الوحدة التي كانت الحلم لكل الجنوبيين، وهو ما يعني أن هناك سبباً ما هو الذي جعل الجنوبي يغير وجهة نظره تماماً، في تحول جذري من الحلم إلى الكابوس. لقد تحولت الوحدة من أمل ومصدر نجاة إلى مصدر يأس وإحباط وفشل، وتحولت من مصدر فخر إلى شتيمة وازدراء.
المواطن البسيط في الشمال يستاءل باستغراب عن السبب الذي يجعل الجنوبي يحمل الحقد على الوحدة، وهو لا يعرف ربما السبب المباشر، وإن عرفه فهو لا يعيه نفسياً، فهو لم يعش التجربة التي جعلت الجنوبي يغير معتقده وما كان مبدءاً بالنسبة له. لقد دخل الجنوب ودولته في شراكة كاملة مع الشمال، لكن الشمال تنكر لهذه الشراكة بعد سنتين فقط من الوحدة، وبدأ بتصفية قادته وملاحقتهم، وفي الأخير غزاهم بحرب ضروس، واجتاح أراضيهم وصادرها وسيطر على مصادر الحياة فيها، وغير تركيبتها وعمل على تصدير ثقافة الشمال وترسيخها في الجنوب دون مراعاة لأي خصوصيات ثقافية أو اجتماعية.
أريد فقط أن أضع أمام هذا الشمالي المسكين مثالاً ليضع نفسه في الصورة، ومن ثم يقول لي بعدها ما هو موقفه من الوحدة. تصور عزيزي لو أنه في عام 1994 انتصرت القوات في الجنوب، ودخلت الشمال، ومن ثم عملت تلك القوات على السيطرة على كل مفاصل الدولة، وأحلت في كل المعسكرات في مدن الشمال جنوداً وضباطاً من الجنوب وقادة من أسر معينة في الجنوب، وتحولت كل الوظائف في الشمال إلى الجنوبيين مع وضع بعض الديكورات الشمالية لرد العين في بعض المراكز القيادية، ليكون الكادر الوظيفي كله جنوبياً من المدير العام إلى الحارس. ومن ثم تم تصدير ثقافة الجنوب وجعلها هي الثقافة الرسمية للدولة، والإعلام الرسمي للدولة يكون هو الإعلام الجنوبي، والتراث والآثار والتاريخ والجغرافيا هي فقط من الجنوب الذي يحق له تمثيل اليمن. تصور فقط أن يأتي القادة الجنوبيون المنتصرون ويعملون على تحويل كل أراضي الدولة إلى ملكيات خاصة، ويسيطرون على كل المناطق التي كانت ملكاً عاماً ويحولونها إلى ملك خاص، وكل هذا تحت ستار الوحدة.
تصور أنك لا تستطيع أن تسافر إلى الخارج إلا عبر مطارات عدن أو المكلا. تصور أنك في الحديدة أو حجة ولديك معاملة ما ولن تستطيع إنجازها إلا بالذهاب إلى عدن، وهناك سيأتي الموظف الجنوبي الذي يريد منك حق «التمبل»، بوصفه المنتج الجنوبي الموازي للقات الذي ستعممه سلطة الحرب المنتصرة. تصور أن يعزز الشمال حرب 1994 بحرب جديدة بعد 21 سنة، حرب أشد وطأة وأكثر إيلاماً أيضاً باسم تعزيز الوحدة. تصور كل ذلك... ثم قل عزيزي ما هو موقفك من الوحدة الآن؟
مشكلة الشماليين أن أغلبهم لا يدرك ماهي الفظائع التي ارتكبت في حق الجنوبيين تحت ستار الوحدة، ومشكلة من يعرفون أنهم لم يدركوا هذا الأمر نفسياً، ومن ثم يريدون من الجنوبيين أن يكونوا مثاليين يتجاوزون ذاتهم كبشر، ويريدون منهم أن يتعاملوا بحياد مطلق وعدم كره للوحدة كخيار ليس له علاقة بالأمر، وتحميل العصابات الحاكمة فقط التي ارتكبت كل تلك الفظائع باسم الوحدة وباسم الشمال أيضاً. من هنا، تظل رؤية الشماليين لها إيجابية، مع أنهم بدأوا يغيرون نظرتهم عنها، وستظل رؤية الجنوبيين لها سلبية حتى أجيال قادمة.
التعليقات