نتفهم تماماً أن يقوم العامة من الناس محدودي المعرفة، وتحت تأثير آلات التعبئة العامة والضخ الإعلامي التعبوي، وتحت ضغط الصراعات السياسية والعسكرية والأخطاء التاريخية المتعاقبة، بتعميم الكراهية لجنس معين أو شعب معين أو إقليم معين، لكن أن تكون هذه الكراهية على لسان كتاب ومثقفين وأساتذة وباحثين حاملين راية التنوير والمنهجية والموضوعية فهذا ما لا يمكن تفهمه أبداً، بل إنه يُسجل كأكبر خطر يهدد مستقبل الشعوب؛ ذلك أن الكراهية تتحول من حالة عشوائية إلى أداء ممنهج يستعمل الأداوت العلمية والأكاديمية للوصول إلى قلوب الناس وعقولهم.
من البديهي معرفة الكراهية وما تمثله من خطورة على المجتمعات، وكونها لا تستهدف فقط من تُوجَّه إليه بل تصل إلى من يزرعها. الكراهية وباء مثله مثله أي مرض أو عدوى، لا يمكن أن توجّهها إلى مجتمع أو منطقة معينة وأنت بمأمن من أن لا تنتقل تلك العدوى إلى منطقتك وأهلك وجيرانك وإليك. صحيح أن الكراهية أسهل وسيلة لتأليب الرأي العام ومن ثم تسهيل تطويعه وتسييره نحو غايات معينة بغض النظر عن نبلها من عدمه، لكنها وسيلة سيئة ولا يمكن لتلك الغاية أن تبررها مطلقاً، ذلك أنها تضر حاملها ومجتمعه الذي يدافع عنه بها قبل أن تضر الآخرين.
يبدو أن الكراهية في اليمن وصلت حداً من الإنفلات الذي لا يمكن السيطرة عليه، والأخطر من ذلك هو أن النخب المثقفة تستعمل تلك الكراهية، والأخطر أيضاً أنها لا تحث على الكراهية فقط بل تعمل على التعميم، وهذا مرض آخر يصاحب هذا الداء العضال. كثير من الكتاب والمثقفين والصحافيين يخوضون، وبكل انعدام للمسؤولية، في الأسر الهاشمية في الشمال، لأن الكثير من تلك الأسر قد ناصرت الحركة الحوثية، في حين أن الأغلب من تلك الأسر لا تناصر الحوثيين، أو لا تخوض في فكرة الصراع من أساسه كأي مواطن، هل يعي من يعمل على هذا التعميم خطورة الأمر على المستقبل؟
بعض الكتاب والمثقفين في الجنوب قد أخذوا على عاتقهم لا الدفاع عن حقوقهم وحقوق الجنوب ومناصرة قضيته العادلة والدفاع عنها حتى التحرير والاستقلال، ولكن مهاجمة الشماليين وتوصيفهم بأشنع الأوصاف، وتصوير الشمال ومجتمعه بأنه بؤرة لكل ما هو قبيح في العالم، والتحريض على الكراهية بلغة التعالي والتحقير والشتائم والسخرية. هذا لا يمكن أن يُبرَّر من باحث وأكاديمي وكاتب ومثقف أبداً، لأنه ينبغي أن يكون فكره وكتاباته موضوعية وعادلة ومنصفة منطلقة من عدالة القضية التي يدافع عنها، فكيف يمكن الحديث عن عدالة بلغة مليئة بالظلم؟ إذا علمنا أن أغلب سكان الشمال هم من سكان الأرياف الذين لا يمتلكون حتى قيمة راديو، وبعضهم لا يعرفون حتى أين طريق المدينة، ولم يشاهدوا تلفازاً في حياتهم، ولم يستعملوا أي أدوات تنتمي إلى هذا القرن، فكيف بهذا الكاتب المنصف أن يعمم الكراهية ضد هذا المواطن المظلوم الفلاح الذي لا يرى الدولة ولا يدري أين طريقها ولا يعرف منها إلا دفع جباية الزكاة؟
وهناك كتاب ومثقفون في الشمال، لأسباب مختلفة، يصل بهم الشطط إلى تعميم ردود أفعالهم سواء ضد المختلف معهم من الحراك الجنوبي، أو لردود الفعل الشعبية والنخبوية ضد الشماليين، إلى استعمال لغة الكراهية المعممة على الجنوبيين كلهم.
باعتقادي، أن المعيار الحقيقي للثقافة والوعي يتمثل بدرجة رئيسية في الموضوعية والقدرة على التحكم بدفة العواطف وتوجيه الكتابة وصياغة الرأي على نحو عادل، ووضع خط واضح يكون فيه المثقف وصاحب الرأي ممتلكاً رأيه الخاص وموجهاً الرأي العام نحو وجهة صحيحة، لا أن تكون المشاعر والعواطف العامة هي المتحكم بكتاباته وآرائه.
التعليقات