ظلت سقطرى لعقود طويلة بعيدة عن مركز الاهتمام الرسمي وحتى النخبوي والشعبي، تعيش عزلتها الخاصة وتحاول أن تكون جزءاً من العالم، ولكن وفق إمكاناتها المحدودة، فهي لا تملك إلا مخزونها البيئي والثقافي والتنوع الحيواني والنباتي، أما خدمات العالم الحديث، فما زالت تتعايش مع واقعها بإمكانات القرون الماضية وأدواتها، ولا تعرف سقطرى من خدمات العالم اليوم إلا النذر اليسير الذي تم توفيره، لا لخدمة أبناء جزيرة سقطرى، وإنما لخدمة المستفيدين من خارجها، فالتنمية اليسيرة التي تمت في الجزيرة خدمة لمشاريع استثمارية هزيلة تصل إلى جيوب متنفذين وشخصيات في النظام السابق ولا تفيد البلد ولا أهلها بشيء.
لا يتم ذكر سقطرى أبداً إلى حين تحل عليها الفجائع أو المصائب، تسكن الظل حتى تأتي المشكلات فيهرع الإعلام ليتذكر أن لدينا جزيرة اسمها سقطرى وأنه يسكنها أكثر من 100 ألف من البشر هم بحاجة، مثل بقية العالم، إلى غذاء ودواء وتنمية وتعليم، وأن يسهموا في العالم في تطوير بلدهم، لا من أجلهم فحسب، ولكن لأن الجزيرة جزء أساسي من التنوع الحيوي على هذه الأرض المكتسبة فرادتها وخصوصيتها وجمالها. سقطرى في الظل تحت النسيان، فقط حين جاءت الأعاصير يتذكرونها لبرهة وعادوا لنسيانها ليذكروها مرة أخرى مع حادثة غرق المركب، ذكروا أن هناك جزيرة وأن هناك سكان يحتاجون لمن يهتم لأمرهم.
يخرجون سقطرى من حسابات مصالحها، ولا يذكرونها إلا خدمة لمصالحهم ولتوظيفها في صراعاتهم، أتذكر أن البداية كانت حين أشاع الحوثيون أن الإمارات وقطر تعمل على توريد الإرهابيين والدواعش بطائرات خاصة إلى سقطرى، طبعاً في هذه المرحلة بالذات كانت سقطرى تعيش شهرها العاشر بدون محروقات ولا غاز الطبخ المنزلي، يشيعون هذه الكذبة إما لجعلها ورقة ضد خصومهم، أو لأهداف كانوا يرتبون لها ضد سقطرى، فهم لا يتهمون سقطرى إذاً فحسب، بل أيضاً يكيدون لها، ومَن يصنع ذلك، فإن اهتماماته مشبوة وغير مرحّب به في أحسن الأحوال.
الآن، ويوماً بعد يوم، يدخلون سقطرى في مركز اهتمامهم، لا من أجل سقطرى، ولكن من أجل مصالحهم هم، يوم يشيعون ربط سقطرى إدارياً بالإمارات، وآخر بأنها تنتزع أشجارها لتزرعها في دبي،... إلخ. وبعيداً عن مناقشة الدور الإماراتي في سقطرى، فهو الدور نفسه في عدن وفي المخا وفي حضرموت. العبوا صراعاتكم مع الإمارات بعيداً عن اختلاق أكاذيب تعرض سقطرى للخطر قبل غيرها، لأن هذا الصراع يوظف التزوير والتلفيق والكذب، ويترك الحقيقة دون معالجة، وفي المستقبل ستضيع هذه الحقيقة، ويمكن أن تتعرّض سقطرى للخطر بالفعل، ولكن لن يصدق أحد بفعل هذه الأكذوبات المتتابعة التي تنطلق بدافع الصراع وليس بدافع الخوف على سقطرى.
العلاقة بين الإمارات وسقطرى علاقة قديمة، فكثير من أبناء سقطرى هم الآن مواطنون إماراتيون موظفون في أجهزة مختلفة، منها جهاز الشرطة في الإمارات، وكثير من أبناء الجزيرة منذ زمن معتمدون على أقربائهم هناك وهذا العلاقة استثنائية من السابق، فطبيعي جداً أن تكون هناك طبيعة خاصة تربط الإمارات وأبناء سقطرى، ولكن ينبغي أن ندرك أن هناك أيضاً بعض التصرّفات المحسوبة على أطراف نفوذ من الإمارات لحسابات خاصة لا نعلمها، وهي تشتغل منذ فترة طويلة ممتدة منذ النظام السابق، وهو ما يعني أن النفوذ الإماراتي داخل سقطرى ليس طارئاً، ولكنه الآن أكثر حدة بسبب وضع الحرب وتصرّفها كطرف نافذ، لا سيّما في الجنوب.
التعليقات