يقول إيمانويل كانط، عن مفهوم التنوير، إنه خروج الإنسان من قصوره الذي اقترفه في حق نفسه، من خلال عدم استخدامه لعقله إلا بتوجيه من إنسان آخر. وإذا كان هذا هو التنوير، فإن التعبئة ستعني عكسه، أي عدم استعمال الإنسان لعقله، واعتماده على توجيه إنسان آخر. وهنا نقف أمام وسائل الإعلام في الوطن العربي، وتحديداً أمام القنوات التلفزيونية الكبرى المتمثلة في «العربية» و«الجزيرة»، هل تقوم بالتنوير أم بالتعبئة؟ هل تساعد المجتمع العربي - الذي تخاطبه - على التنوير، ومن ثم على التحرر من التبعية؟ أم أنها تعمل على التحكم بتفكيره، وتسهم في توجيهه وجهة معينة بناء على رغبة دولة أو جهة أو سياسة محددة؟ نتحدث عن هاتين المحطتين بوصفهما النموذج للإعلام العربي، وبوصفهما أهم محطتين تزعمان الإستقلالية في العمل الإعلامي، ومؤسستين تبدوان بصورة شبه مستقلة عن الخطاب الرسمي للدول الراعية لهما.
لقد ظهرت هذه المحطات في فترة مبكرة أول القرن الحالي، عندما كانت السياسة الداخلية للأنظمة العربية شبه مستقرة من الناحية الأمنية، وفي ظل رسوخ تلك الأنظمة وقوة استقرارها السياسي، بيد أن العلاقة التي كانت تحكم تلك الأنظمة بالشعوب هي علاقة يسودها التسلط والتبعية وعدم الديمقراطية وانتهاكات حقوق الإنسان وتهميش الأقليات، فكانت حينها الأنظمة بحاجة لتحسين صورتها المشوهة تلك أمام الرأي العام العالمي، فما كان منها إلا أن سعت إلى توسيع مساحة التعبير عبر هاتين المؤسستين، لتكون حرية التعبير متحكَماً بها ذاتياً ومن أجل استعمالها في أي لحظة سلاحاً فعالاً. لقد قدمت تلك المؤسسات نفسها على أنها مؤسسات إعلامية مستقلة ومهنية، ومن ثم فإنها تعمل على الوصول إلى الحقيقة بوصفها الغاية الأساسية، وهكذا راكمت هذا الرصيد خلال سنوات، ومعها كسبت المشاهد العربي الذي يتلهف لمعرفة الحقيقة من هذه المصادر.
مع بداية الربيع العربي، بدا أن هذه المؤسسات غير مستقلة، وبدت تحولاتها متماشية مع تحولات الدول التي ترعاها، ومن ثم بدأ المحتوى الإعلامي لهذه المؤسسات، وكذلك البرامج الإعلامية المصاحبة وطبيعة الشخصيات المعروضة وطريقة تغطية الأخبار وزاوية رؤيتها، كلها بدأت تأخذ سياسة الدول الراعية. وهنا، تحول الأداء الإعلامي من مبدأ البحث عن الحقيقة والإسهام في تنوير المشاهد والمستمع إلى التعبئة وتوجيه الرأي العام، وبذلك لا تكون هذه الوسيلة الإعلامية قد أسقطت هدفها الأساسي فحسب، بل عملت أداة في تدمير الوعي والمشاركة بفعالية في ذلك بوصفها طرفاً أساسياً في الصراع.
لقد تبينت وظيفتها التعبوية من خلال الإنحياز المكشوف الذي ينتج منه الكثير من التناقض في المواقف، فهي تنحاز لتيار معين في دولة وتكون ضده في دولة أخرى، ويظهر ذلك من خلال التوصيفات والألقاب واختلاف استعمالها من حين إلى آخر، ثم إن هذا الموقف ذاته يتغير بين فترة وأخرى، تبعاً للموقف السياسي للدول. لقد أظهرت تلك الوسائل بصورة جلية أنها أدوات بيد الأنظمة الحاكمة، وأنها كانت مجرد أسلحة لتوجيه الرأي العام داخلياً وخارجياً، وليس للمساهمة في تنوير الشعوب والبحث عن الحقيقة وفق المعايير القانونية والأخلاقية للإعلام الحر.
لقد تكشفت للناس تبعية تلك المحطات، وعدم حياديتها. ومن ثم بدأ الناس ينحازون لمشاهدة هذه القناة أو تلك، لا للبحث عن الحقيقة، ولكن لأن هذه القناة أو تلك تتبنى وجهة نظرهم، ومن ثم تجد البعض يقفل هذه القناة ولا يشاهدها، وفي المقابل يشاهد القناة التي تشبع رغبته بغض النظر عن كونها حقيقة أو مجرد أداة صراع أو مغالطة. ولكن بالمجمل، فإن الشعب أصبح هو الوحيد المسؤول عن تشكيل وعيه، لم تعد هناك وسيلة أو جهة أو مؤسسة لا حكومية ولا أهلية مسؤولة عن تشكيل هذا الوعي وتقديم الحقيقة كما هي، ناهيك عن الإسهام في تنويره وزيادة معارفه.
التعليقات