تعمل الحروب على تغذية ذاتها، وفي طريقها تلتقط إلى داخلها المزيد من الوقود الذي يمنحها التوسع والانتشار والتمدد والديمومة، وفي الحرب الأهلية تكون الأوضاع أكثر سوءاً؛ ذلك أنها تنبني على شبكة مصالح معقدة تحدد أهداف الحرب، ومن ثم تنعكس في شكل استمرارها، حيث تعمل على التناسل في شكل حروب صغيرة، وكل معركة فيها تكون سبباً لحرب جديدة أكثر قوة. فالحرب الأهلية لا تظل على شكلها البسيط، فهي تبدأ بين طرفين لتمضي في طريقها وقد جمعت أكثر من طرف وأكثر من مستفيد، وتبدو في الأخير شبكة معقدة من الموت يصعب حلها. هذا بالإضافة إلى بشاعة نتائجها التي تترك آثارها الغائرة في جسد المجتمع، وفي صنع تشوهات لا يمكن أن تندمل على مر السنوات.
بدأت الحرب الأهلية في اليمن عملياً في مارس 2015، ولكنها منذ ذلك التاريخ قد كشفت عن عدة أطراف فاعلة في هذا الحرب ومغذية لهذا الصراع. فإذا كان عنوان الصراع الواضح بين طرف الإنقلاب من جهة وما يسمى الشرعية من جهة أخرى، فداخل هذه الأطراف تمركز الكثير من اللاعبين الفاعلين في المواجهة وفي زيادة التعقيد؛ فهناك صراع خفي بين صالح وشريكه الحوثي، وفي المقابل صراع أيضاً بين تيارات داخل التحالف المضاد لهم، بشكل أكثر تعقيداً: «الإصلاح» وتيار «الإخوان» وقوى الحراك الجنوبي وكذلك تيارت التطرف المتمثلة بـ«القاعدة وداعش». فعلى هذا التعقيد استمرت الحرب لسنتين في شكل صراع يبدو بين طرفين، لكنه في الحقيقة بين أكثر من طرف ولأكثر من هدف.
الأمر الخفي الذي ينبغي معرفته أنه كان يظهر للناس في الداخل أن التحالف الذي تقوده السعودية على جانب من التماسك، والحقيقة أن هذا التحالف قد أصبح الآن مولداً لأطراف جديدة، وقد تحول من طرف في الصراع إلى حاضنة تناسلت منها مشاكل جديدة تؤثر في مسيرة الحرب وتؤثر في تشكيل نتائجها، وتعمل على إنتاج حروب جديدة؛ فالانقسام الحاد الذي نتج من مقاطعة قطر واتهامها بالإرهاب من قبل السعودية والإمارات والبحرين، بعدما كانت جزءاً من التحالف، جعلها تتحول إلى طرف واضح داخل حلبة الصراع في اليمن، وبذلك يتحول التحالف من جهة داعمة للتيار المقابل للانقلاب، إلى مفرخ ومنتج لأطراف صراع جديدة.
كما أن هناك الصراع الخفي بين السعودية من جهة والإمارات من جهة أخرى، ولكن في إطار الحرب داخل اليمن؛ فالإمارات تمارس سياساتها البراجماتية بعيداً عن غرفة عمليات التحالف الذي تقوده السعودية، وتحاول بناء خططها الإستراتيجية الخاصة داخل حلبة الحرب في اليمن، وهذا الأمر يغذي المشكلة ويجعل من هذا الصراع جزءاً من مشكلة جديدة تضاف إلى المشكلات القديمة التي بدت أمام هذا النموذج أكثر تقليدية.
العلاقة بين الداخل في اليمن والخارج تظل علاقة تحالفات من أجل مصالح تمثل أفراداً أو جماعات، وستنتهي المشكلة على هذا المستوى بانتهاء تلك التحالفات، في حين تظل آثار الصراع في جسد المجتمع في الداخل، فهو من سيدفع ثمن هذا الوضع المعقد، الذي يعاني فيه الناس من ظلمات حرب بعضها فوق بعض، وكلما طال بها الزمن تناسلت منها أطراف وحروب جديدة.
التعليقات