مع بروز الدول العربية الحديثة في منتصف القرن الماضي، بدأت تتجلى الشعارات الوطنية التي تعبر عن الهوية السياسية لهذا البلد العربي أو ذاك، حاملة في أشكالها كل دلالات القوة والعظمة، وتم ترسيخها في حياة الشعوب الرسمية والشعبية لتغدو جزءاً من حياتهم حاملة دلالات مختلفة ترى الأنظمة الحاكمة أنها تعبر عن قوة تلك الدول وعن سيادتها واستقلالها. ولكن أثبتت السنوات أن تلك الشعارات التي تزين المكاتب الحكومية، وتعلو الوثائق الرسمية، لم تكن أكثر من مجرد أشكال للقوة، في حين أنها تنعكس على الواقع ضعفاً وتراجعاً وامتهاناً للسيادة الوطنية، وتبعية في الثقافة والفكر والاقتصاد والتعليم ومختلف جوانب الحياة.
تقوم الدول في تصميم شعاراتها الخاصة على البحث عن مصادر هويتها الخاصة، التي تميز كل أمة أو كل دولة عن غيرها، جاعلة من هذا المصدر شعاراً لها بغض النظر عن مفهوم القوة أو الضعف؛ فأستراليا جعلت من حيوان الكنغر شعاراً وطنياً لها، في حين كندا اختارت ورقة القيقب أو الميبل ليكون شعارها الوطني، ووضعت أمريكا النسر الأمريكي. هذه الرموز الثلاثة قادمة من عمق الطبيعة التي تشكل خصوصية هذا البلد، بغض النظر عن مدلول القوة أو الضعف، فالقوة في الأساس قادمة من الإعتزاز بالانتماء لهذه الأرض، وليس من فكرة القوة التي تكمن في الشعار ذاته. وتضع دول أخرى شعارات بمصادر دينية أو ثقافية أو اجتماعية، لكنها في الأخير تنبع من عمق الهويات الخاصة لهذه البلدان، التي تحاول أن لا تتصارع مع الهويات الأخرى، ولكن تتكامل معها لتشكل الصورة الكاملة للعالم بمختلف تشكلاته وهوياته الخاصة.
حين نفحص الشعارات العربية بشكل عام، فسوف نجد أنها ترتكز على مفهوم القوة بغض النظر عن الخصوصية الثقافية، من الأسد إلى النسر إلى السيوف إلى الخناجر، طبعاً مع وجود استثناءات قليلة تعكس بعض الهويات الثقافية لبعض الدول العربية، بيد أن هذه المصادر الثلاثة هي المتحكمة، السيف والأسد والنسر. لماذا النسر يمثل شعاراً للدول العربية، مع أن النسر ليس رمزاً وطنياً، وليس له أي ارتباط خصوصية بهذه البلدان، ومثله الأسد والسيف؟ لا يوجد تفسير سوى نزعة ترسيخ مفهوم القوة، وتقديم دلالة أن هذا البلد قوي، ويستطيع أن يفرض سيادته واستقلاله. وهكذا تعتمد الدول في فرض سيادتها واستقلالها على مدلول النسرأو الأسد في ذاته، وليس لكونه جزءاً من هوية هذه الأرض أو هذه الأمة، فتصبح القوة هي الفكرة في ذاتها، ليس بقوة الأمة ومجدها وخصوصيتها الثقافية والحضارية والاقتصادية.
من هنا، تنسلخ الشعارات عن دلالاتها العامة، وتبقى القوة لا لترسيخ فكرة السيادة، وإنما تتحول القوة ضد أبناء هذه الدول أو لتصارع بعضها بعضاً. كما ترافق هذه الشعارات في الأشكال شعارات في اللغة؛ حيث تكون الخطابات هي التي تسد الفقر في الواقع العملي وفي التطبيق، فيتم استهلاك الشعارات الإعلامية من قبل السياسيين والمثقفين، دون أن يكون لها أي أداء عملي على أرض الواقع، تماماً كما نستهلك فكرة القوة في صورة النسر أو الأسد أو السيف.
إن تجاوز حالة التأخر والتراجع يتطلب إعادة البحث عن الذات في عمق الهوية التي تميز هذه الدول، والإيمان بأن القوة الحقيقية تكمن في عمق الشعوب الحضاري والفني والثقافي والفكري. فلتبحث كل دولة عن ما يميزها، وما يجعلها تختلف به عن الآخرين، ليكون شعارها الوطني، أما شعارات القوة فلا تقدم إلا دلالات الموت والدمار والخراب الذي يصيب هذه الشعوب من داخلها، قبل أن يصيب غيرها.
التعليقات