أشاد أكاديمي خليجي بارع، قبل أيام من اندلاع شرارة الأزمة الخليجية الراهنة، بعبارة الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي، عبد اللطيف الزياني، حول «الوضع الآمن والمستقر لدول الخليج العربي مقارنة بما يجري بمحيطها العربي»، ووصفه البلدان الخليجية بأنها «حدائق تحيط بها الحرائق من كل جان» على حد قوله. ولم تمض سوى أيام على هذا التصريح حتى نشبت أزمة حادة بين دول المجلس تكاد تعصف بالمنطقة برمتها وتزيدها أوجاعاً إلى أوجاعها، وهي في طريقها إلى التصعيد ولن يستطيع أحد التكهن بمآلاتها، ولا زالت تلك الأزمة مرشحة للانفجار في أي لحظة برغم الجهود الحثيثة التي يبذلها البعض في احتوائها ونزع فتيلها.
وبالعودة إلى العبارة التي أطلقها الزياني، والتي كانت محل إشادة وإعجاب من بعض إخواننا الخليجيين ممن ينتشون بهذا الوصف، إلا أننا ننظر إلى هذه المقولة من زاوية أخرى، وبنظرة تشاؤمية بحتة. كيف لا وموقع بلدنا من الإعراب هو في الشق الأخير من العبارة، أي في خانة الحرائق، كون بلدنا واحداً من المناطق المحيطة بحدائق الزياني، والتي ما زالت الحرائق تلتهمها منذ عقود؟
وبصرف النظر عن الحيثيات والدوافع التي كان يراد تمريرها من وراء هذه العبارة، إلا أن المقولة تحكي الكثير عن حجم الغرور الذي بدأ يصيب بعض الأنظمة الخليجية بمقتل، ولاسيما حينما يتعلق الأمر برغبة البعض منهم في توفير الأمن وجلب الإستقرار لأوطانهم وعروشهم، ولو على حساب الآخرين. إنه ليس من تعاليم الدين ولا من أخلاق وقيم وشيم العرب أن يتباهى أحد بما يقع به الآخرون، أو بما يتعرضون له من مصائب وبلاء ومحن، أو بما يحصل لهم من مآس وآلام ،هذا في حال افترضنا عدم صحة القول بأن كل ما يحدث من حرائق في المنطقة المحيطة بحدائق الزياني لا يمت بصلة للأنظمة الخليجية. غير أن الواقع المعاش والشواهد الماثلة أمامنا تقول بعكس ذلك، فلا نكاد نجد أياً من المناطق العربية التي تعيش أوضاعاً سياسية مضطربة، دونما أن يكون لأحد أو لبعض من دول الخليج ضلع في ما يحدث لها.
وبات البعض يتساءل: هل كان للعراق أن يذهب إلى ما ذهب إليه من اقتتال وتدمير وتهجير وانزلاق نحو الفوضى والحرب الأهلية والطائفية، لو لم تساهم بعض من دول المجلس في ذلك؟ وهل كان لسوريا وليبيا أن تنزلقا نحو الفوضى العارمة لو لم تموّل وتذكي تلك الصراعات أطراف خليجية؟ وهل كان لليمن، الذي بات يوصف بالتعيس، والذي عاش مراحل كثيرة من الصراع والاضطراب منذ ستينات القرن الماضي وما زال يعيشها حتى اللحظة، أن يعاني ما يعانيه طيلة عقود وحتى اللحظة من صراع واقتتال وتشرذم، لو لم يكن لبعض من دول الخليج الدور الأكبر في ما يجري؟
صحيح أن هناك أطرافاً وأيادي غير عربية ساهمت بشكل كبير في رسم الوضع العربي المضطرب والملتهم، إلا أننا لا نستطيع أن نغفل الدور السلبي لبعض الأنظمة الخليجية، والتي صار البعض منها أداة تنفيذ وتمويل للأجندات الخارجية. وبالتالي، فهذا هو ملخص الوضع لحرائق المنطقة، والتي ما كان لها أو لبعضها أن تشتعل وتستمر بالاشتعال لو لم تكن أعواد الثقاب تلقى من الأبراج والحدائق المجاورة لها، لتحولها إلى حرائق بعدما كانت حدائق زاخرة وحضارات عامرة، حتى غدت المنطقة الخليجية نفسها، جراء تداعيات أزمتهم الراهنة، مرشحة للاشتعال، بعدما أكمل البعض منهم رمي أعواد الثقاب وإشعالها في كل المناطق المحيطة بهم، وشرعوا في التفكير في رمي تلك الأعواد في حدائق «أشقائهم».
وما نقوله ليس تحاملاً منا على بعض من دول الخليج التي لم ترَ الشعوب العربية من خيراتها وثرواتها التي حباها الله سوى ويلات الخراب والدمار، في الوقت الذي تستخدم فيه تلك الأموال الطائلة والثروات الهائلة في إنماء وتعمير البلاد الغربية. وقد كشفت الأزمة الخليجية جانباً من هذا، وتبين للبعض أن معظم رؤوس أموال البنوك والمؤسسات الغربية هي أموال خليجية، خلافاً للاستثمارات الظاهرة والمعلنة في تلك البلدان والمقدرة بآلاف المليارات من الدولارات.
وخلاصة ما يمكن قوله، إنه ومهما بلغت درجة الإستياء لدى البعض من الدور السلبي لبعض الأنظمة الخليجية والذي تلعبه في المنطقة، ومهما انتابنا الغضب وضقنا ذرعاً حيال تلك الممارسات، إلا أننا دائماً ما نضع أيدينا على قلوبنا طوال الأزمة الخليجية الراهنة، خوفاً من أن ينزلق الخليجيون نحو الهاوية، أملاً منا في أن يعم الخير والسلام جميع أوطاننا العربية والإسلامية، لأن ديننا وإنسانيتنا وقيمنا تحتم علينا ذلك، فهل تعي بعض الأنظمة الخليجية مدى حرصنا في ذلك؟ وتدرك أننا لا نتمنى لهم ولأوطانهم إلا الخير رغم مساوئ البعض منهم؟ وهل يدركون أيضاً أن كل ما نتمناه من بعض تلك الأنظمة هو الكف عن إشعال الحرائق في أوطاننا مهما كانت الدوافع والهواجس وتحت أي مبرر، حرصاً منا على ألا تلتهمهم حرائقنا التي أشعلوها أو كانوا سبباً في إشعالها في حدائقنا... والجزاء من جنس العمل؟!