كم أطول فترة سلام حظيت بها شعوب العالم! وكم أطول فترة تحرّر عاشتها الشعوب المضطهدة!
اندلعت الحربان العالميتان، الأولى والثانية، بسبب اختلال توازن القوة بين دول أوروبا الاستعمارية وألمانيا. كان هناك أسباب أخرى، لكن كلتا الحربين أُشعلتا تحت شعار «حرب من أجل إنهاء احرب»، وبعد اثنتين وسبعين سنة من الحرب الثانية، بات العالم أكثر اقتراباً من حرب عالمية ثالثة، رغم المحاولات اليائسة لقادة العالم للتقليل من شأن نذرها. والواقع أن هؤلاء القادة صاروا أكثر تقديساً، بلا أي مواربة أو خجل، لثقافة الحرب من أجل الحرب.
إذا لم تكن ثقافة الحرب من أجل الحرب محلّ تقديس، فبماذا يمكن تفسير التوتّر المتصاعد بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية، وتطمينات دونالد ترامب للشعب الأمريكي بأن «الترسانة النووية» لأمريكا في أفضل حالاتها «أكثر من أي وقت مضى؟» أي شعب يمكن أن يطمئن لحماية مصدرها ترسانة نووية!
إزاء هذا التوتر الذي نعرف أنه لا يهدّد شبه الجزيرة الكورية فقط، دعونا نستعرض أبرز مشاهد التوتر الأخرى حول العالم.
ترامب، بتسريحته المعكوسة للأمام، يرى أن تحذيره للإمبراطور الشيوعي الشاب، «لم تكن قاسية بما يكفي»، وهذا الأخير، يتحدث عن خطة لمهاجمة جزيرة «غوام»؛ الجزيرة التي يتفادى الإعلام الدولي تسميتها «مستعمرة أمريكية». روسيا والصين تحاولان كبح جماح أمريكا لكي لا تدفع تهديدات ترامب «شديدة القسوة»، إلى حماقة نووية من قبل الإمبراطور الشاب، الذي يفضّل بدوره، الظهور برأس نصف حليق من الخلف. في الواقع، الوضع الجغرافي للصين وروسيا لا يحتمل اندلاع حرب من أي نوع بالقرب من أراضيهما، ناهيك عن حرب نووية. ومن زاوية أخرى، فمن غير المستبعد أن هذا الإصرار الأمريكي على التصعيد يشمل ضمن أهدافه، إثناء روسيا والصين عن المضي في منافسة توسع أمريكا وحلفائها الأوروبيين جنوباً.
ضمن المشهد الآخذ بالتوتر، شكت الصين الأسبوع الماضي من انتهاك سفينة أمريكية لمياهها الإقليمية في بحر الصين الجنوبي، ومن مناورة عسكرية هندية امتدت إلى داخل حدودها. بررت أمريكا انتهاكها لمياه الصين بـ«حرية الملاحة الدولية»، أما الهند، فربما يجدر بنا التركيز على أهميتها بالنسبة للملاحة الدولية أكثر من متابعة ردّها على الصين. ذلك أن تيار «الملاحة الدولية» لم يتوقف منذ مئات السنين، عن دفع السفن التجارية و والعسكرية نحو القرن الأفريقي واليمن وبقية دول البحر الأحمر. أو بالأصح، نحو المستعمرات القديمة لبريطانيا وفرنسا وإيطاليا.
قبل الحرب العالمية الأولى، كانت هذه الدول الثلاث تتقاسم السيطرة والنفوذ على المنطقة العربية مع السلطنة العثمانية، وكان البحر يمنح النصر للمستعمر ويجلب النقمة على شعوب المنطقة. وبعد انهيار الدولة العثمانية، بدأ نجم أمريكا بالصعود. وطيلة تلك الحقب الغابرة، كانت روسيا وألمانيا والصين لا تذهب في مشاريعها الاستعمارية أبعد من الأراضي المجاورة لها. أما الآن، فيبدو أننا وصلنا إلى ذروة انتكاس السلام والحرية العالميين. ولدينا بفضل الهوس التكنولوجي والاقتصادي، تسميات بديلة للاستعمار بدأت من «العولمة» و«الأسواق الحرة»، ثم عادت ارتجاعياً وبفجاجة منقطعة النظير، إلى عصر شراء المستعمرات؛ الفارق «الحضاري» في عملية الشراء هذه، أن النقود التي كانت تدفعها الشركات الأوروبية للحكام المحليين، صار يدفعها أصحاب الأرض تحت مسمى«حق الحماية».
وهكذا، تمضي دول الحلفاء نفسها ودول المحور نفسها، في إعادة إنتاج المفاهيم القديمة للصراع الدولي، استناداً لعصبيات حضارية وعرقية ودينية. وما تتخذه الأمم المتحدة من عقوبات لتجنيب العالم حرب ثالثة، هي في الأصل مطالب المنتصرين التي لم تنفذها «عصبة الأمم» بعد الحرب الأولى، لتحجيم برنامج التسلح الألماني. تلك «الإجراءات» الأممية التي قال تشرشل بأنها حتى لو كانت نفذت، فلم يكن بإمكانها أن «تحول دون اندلاع الحرب العالمية الثانية، بل أن تؤجلها إلى أجل غير مسمى».