يُعدّ العمل السياسي في الدول العربية بشكل عام مجرد أداة شكلية لاستكمال الصورة النموذجية للدولة الحديثة، وتنفيذ اشتراطات الحد الأدنى من معايير الإندماج في العالم الحديث. وعلى الرغم من تعدد أشكال المظاهر السياسية في العالم العربي، فإنها في الأخير لا تحقق الحد الأدنى من المعايير للوصول إلى الديمقراطية والعمل السياسي الحقيقي؛ فلا أحزاب فاعلة، ولا انتخابات حقيقية تفضي إلى تغيير سياسي قائم على التنافس الديمقراطي، ولا منظمات مجتمع مدني مستقلة. وإذا كان هذا هو وضع العمل السياسي بشكل عام وفي الحالة العادية، فإن هذا العمل في زمن الصراع المسلح يكون في حالة أسوأ؛ فحين يتحرك الوضع باتجاه الصراع في أي بلد فإن أول أمر يتم اتخاذه هو فرض حالة الطوارئ، وتجميد العمل بالقوانين، وإلغاء الأحزاب والتعددية السياسية.
جاءت الوحدة اليمنية في العام 1990 لينص دستورها على أن الدولة الجديدة هي دولة قائمة على التعددية السياسية، وأن السلطة ينبغي أن يتم الوصول إليها عبر الإقتراع الحر والمباشر من قبل الشعب، فتحوّل الحزبان الحاكمان حينها، واللذان كانا حزبين استبداديين، أحدهما يحكم الشمال والآخر الجنوب، إلى حزبين يعتمدان على أصوات الجماهير، وليسا مفروضَين على المواطنين فرضاً، وهذا ما نصت عليه الوثائق، ولكن الحقيقة غير ذلك.
لقد استمرت التعددية الشكلية حتى العام 1994، حيث تآمر الحزبان الرئيسان في الشمال (المؤتمر والإصلاح) على إخراج الشريك الأساسي الجنوبي الإشتراكي من السلطة، فكان أن نتج أول صراع مسلح بعد الوحدة قضى على بذور العمل السياسي، وأنتج تحالفاً مفروضاً على الشعب، «المؤتمر» و«الإصلاح»، ليعود الإستبداد بشكل أكثر مراوغة من قبل، حيث تم تفريخ مئات الأحزاب السياسية لتمنح الحزب الحاكم مشروعيته أمام المجتمع الدولي، الذي يطالب اليمن بالتزامات أمام الديمقراطية والحوكمة واحترام حقوق الإنسان ومكافحة الفساد.
لقد استمر هذا الوضع حتى العام 2011، حين خرج الشباب إلى الشوارع منادين بالتغيير، بعد أن عاش الشعب أكثر من 18 عاماً من حكم يدعي الديمقراطية ويجسد في ممارساته أبشع أنواع الإستبداد السياسي، فيكتب القوانين التي تمنح الصحافة حريتها، ويبعث المخبرين الذين يغتالون الصحافيين أو يخطفونهم أو يمارسون عليهم أبشع أنواع الإبتزاز، وينادي بالديمقراطية ويعمل على تزوير الإنتخابات، ويوظف كل مقدرات الدولة من أجل تغيير نتائجها، ويشكل حكومة وتكون السيطرة لعدد من الشخصيات النافذة من وراء تلك الحكومة.
في 2011، استوعب الشباب خطورة الوضع، وأن أي ثورة عنيفة يمكن أن تكون في صالح هذا النظام الذي أدمن الصراع المسلح من أجل حماية ذاته؛ فالاستقرار السياسي معناه البحث عن حرية وكرامة وعدالة ومساواة وتقليل فرص تدخلات النافذين. خرجوا إلى الميادين، ولكن فئة تحالفات الفساد داخل السلطة أو شركائها في المعارضة تدخلوا لإنقاذ النظام حينها والتحموا بالشباب. ومع الأيام، تحولت الثورة إلى خلاف داخل أجنحة النظام نفسه، أفضى في الأخير إلى صراع مسلح، أوصل النظام القديم إلى السلطة مرة أخرى.
الآن، وبعد الحرب التي فرضت على الشعب في 2015 من أجل القضاء على السياسة وعودة سلطة أمر واقع إلى الواجهة من جديد، ها هو الآن ذلك النظام يحاول أن يعود للمراوغة بورقة العمل السياسي؛ فصرخة «نازل» التي ينادي بها «المؤتمر الشعبي العام» ورئيسه علي صالح ما هي إلا جزء من الصراع الخفي بين أجنحة تحالف الحوثي - صالح، وتكتيك قد يفضي إلى صراع مسلح بين الطرفين عما قريب. وعلى الرغم من أهمية العمل السياسي، فإن المسألة هنا هي أن يتم توظيف هذا العمل في إطار الصراع المسلح، وما يؤكد ذلك هو أن «المؤتمر» ورئيسه الذين عابوا على الشباب نزولهم من أجل المطالبة بالتغيير، واستهتروا بشعار «نازل»، هاهم الآن يرددون الشعار نفسه وبالطريقة نفسها.
أخيراً، يمكن القول إن أي مستقبل في اليمن لا يمكن أن يكون نتيجة الصراع المسلح؛ فالعنف يبذر العنف للمستقبل. وإن العمل السياسي القائم على مبادئ واضحة وثابتة هو الحل الأنسب للخروج من دائرة الأزمة إلى طريق النجاة، والبحث عن مخرج آمن للجميع.
التعليقات