في كتاب «سيكولوجية الجماهير» الذي ألفه المؤرخ والفيلسوف الفرنسي، جوستاف لوبون، قبل أكثر من 120 عاماً، يبين خصائص الجماهير في صناعة التحولات، مبيناً كيف تذوب شخصية الفرد ليغدو جزءاً من فكر الجمهور العام. وعلى هذا الأساس، يمكننا تخيل الجمهور شخصية واحدة، ويمكننا تخيل جسد يحتوي هذه الشخصية. وكما أن الفرد يستطيع في محيطه الصغير أن يحدث الدمار أو الإعمار، فإن الجمهور على قدر مساحة تأثيره يمكن أن يحدث الدمار أو الإعمار لمنطقة أو شعب أو أمة. لقد بينت الجماهير كم أنها الأسرع في إحداث التغيرات التي تبدو أحياناً أسرع أثراً من الإنقلابات العسكرية، حركة الجماهير في تونس ومصر، في أحداث الربيع العربي، وفي جمهوريات الإتحاد السوفيتي سابقاً، وبعض الدول التابعة للمعسكر الشيوعي، وغير ذلك من النماذج التي بينت قوة الجماهير ودورها الحاسم في صناعة التغيير.
صحيح أن مستوى وعي الجماهير يكون له دور أساسي في مرحلة ما بعد التغيير، أما حركة الجمهور بحد ذاته فيستوي في ذلك الواعي وغير الواعي، حيث يكون له قانونه الخاص وسيكولوجيته الخاصة التي ليس لها علاقة غالباً بمستوى الوعي. وفي اليمن تبين أن الجمهور يمتلك دوراً كبيراً في التغيير على مستوى تاريخ اليمن الحديث، وإن كان هذا الجمهور مغيباً عن كل مصلحة، إذ تتحول المصالح مباشرة لشخصيات محددة غالباً لا تكون خلف تحريك الجمهور، بل تتسلق على أكتافه لتجني ثمار هذا التغيير بعد ذلك.
تأسس الحراك الجنوبي في العام 2007، وقد سبقته بعشر سنوات تحركات لانتفاضة شعبية جماهيرية في مدينة المكلا عام 1997، لكنها توقفت عند ذلك التاريخ لعدم تفاعل الجماهير معها، وبالتالي لم يتطور الأمر لأي تغيير يذكر. لكن بعد 2007 بدأت الجماهير في التعبير عن غضبها من سوء إدارة البلد والتي تحولت إلى ضم وإلحاق واحتلال، جعلهم يتحركون باتجاه البحث عن مخرج يؤدي بهم في الأخير إلى العودة إلى شكل دولة الجنوب كما كانت قبل العام 90. وبالفعل أدى تفاعل الجماهير، على الرغم من قوة القمع التي مارسها النظام السابق، إلى نشوء واقع جديد يعترف فيه العالم بقضية اسمها القضية الجنوبية، بيد أن صراع القيادات على إدارة هذه الجماهير وعدم توحيد جسدها أدى إلى عدم تحقيقها التغيير المنشود.
ظلت المعارضة السابقة لنظام علي صالح تهدد بالخروج إلى الشارع، وهو تهديد في مضمونه الحقيقي يمثل قوة تعادل قوة الأسلحة الإستراتيجية، فمتى ما كان الشارع موحداً على مطلب واحد فلا يمكن لأي قوة في العالم أن تقف في طريقه. لقد تحركت الجماهير في اليمن في العام 2011 رغبة في التغيير، بيد أن علي صالح سعى إلى إيجاد تحشيد مضاد أو جماهير مضادة رابطت في ميدان التحرير أكثر من عام وفي ميدان السبعين بشكل أسبوعي. كان يدرك أن قوة الجماهير لا يمكن أن توقفها إلا قوى جماهير مضادة، وعلى الرغم من كل ذلك فإن جماهير التغيير كانت هي الأقدر، ولكن ليصل التغيير إلى هاوية جديدة.
اشتركت الحركة الحوثية المسلحة في حركة جماهير التغيير، ولكنها عادت إلى سلاحها من جديد وعملت على الترتيب لانقلاب سريع على كل اتفاقاتها مع شركائها في العمل السياسي. وفي طريقها إلى السلطة عملت على توظيف الجماهير والتحشيد الجماهيري ولكنها مع ذلك جماهير مسلحة، حيث جمعت حشودها في مداخل صنعاء تمهيداً لانقلاب شامل أطاح بعبد ربه منصور هادي وحكومته في العام 2015. لقد حشد الحوثيون جماهير مسلحة ليضمنوا تحقيق نتائج التغيير بصورة أسرع.
ها هو الآن علي صالح يعود إلى سلاح الجماهير من أجل إحداث حالة تغيير في المشهد الذي تشتد فيه الأزمة مع شريكه في الانقلاب، ويعلم الحوثيون هذا الأمر، فيدعون أيضاً إلى حشود جماهيرية مضادة ولكن على طريقتهم المسلحة، فيدعون الناس للاحتشاد على مداخل صنعاء ليعيدوا إلى أذهان الناس الحشود التي جمعوها قبل انقلابهم على السلطة وإسقاط ما بقي من مؤسسات الدولة.
إن الجماهير أقرب البوابات إلى التغيير، ولكن المستفيد من هذا التغيير ليس الجماهير، وإنما الأشخاص أو الجهات التي تقف وراء تحريك هذا الجمهور الذي قد يجد نفسه مجرد وسيلة لتحقيق غايات فردية لا تمثل الجمهور، ولا تطلعه، ولا تحقق له مصلحته.
التعليقات