لعبت القبيلة دوراً محورياً في مختلف الأحداث في اليمن عبر التاريخ، منذ الدول اليمنية القديمة، مروراً بالدول الإسلامية المتلاحقة، وحتى العصر الحديث. ويُعدّ النظام القبلي في اليمن واحداً من أكثر الأنظمة التقليدية التي ما زالت تعيش معنا في هذا العالم الحديث، الذي استبدل القانون والأنظمة السياسية الحديثة بالقبلية والعشائرية ومختلف الأنظمة التقليدية. وقد استطاعت القبيلة في اليمن أن تقاوم التحديث والمدنية، محاوِلةً الحفاظ على مركز نفوذ متقدم. كما استطاعت أن تنازع الأنظمة السياسية والعسكرية، وتبقي على قوة نفوذها، بل وعملت في أوقات متلاحقة على تشكيل الأنظمة السياسية بما يتلاءم مع مصالحها وشروطها ويحقق أهدافها.
في مراجعة سريعة لليمن الحديث، يتبين أن النظام السياسي في الجنوب، قبل العام 1990، استطاع أن يحدّ من سيطرة القبيلة التي كانت تنازع الدولة مساحة سيطرتها، وتحدّ من عملها، وتتدخل في قوانينها، وتمنع تنفيذ قراراتها. وقد حاول النظام في الجنوب، عبر الجبهة الوطنية التي دعمها في الشمال، أن يعمل على هذا الإتجاه. إذ حاولت الجبهة، بطرق غير مشروعة، تحجيم القبيلة عبر اغتيال مراكز النفوذ فيها والتخلص منهم بصور مختلفة. كما حاول الحمدي أن يحدّ من سيطرة القبيلة التي انحرفت بمسار الثورة وعملت على الإلتفاف على أهدافها بوضع نفسها مكان الإمامة، ولكن بصورة أكثر مراوغة، ولكنه صار هو الآخر ضحيتها، فدفع حياته ثمناً لهذا التصرف الذي أراد به تحجيم نفوذ القبيلة من أجل إعلاء نفوذ الدولة.
للقبيلة أربعة أبعاد: بعدان سياسي واقتصادي، وهما اللذان يؤثران بشكل سلبي في مهام الدولة واختصاصاتها؛ فحين تتدخل القبيلة فإنها تنطلق ليس من مصلحة أفرادها فحسب، بل من مصلحة أشخاص معينين في هذه القبيلة. والبعدان الآخران ثقافي واجتماعي، وهما اللذان كان ينبغي للدولة وللأنظمة السياسية أن توظفهما وتحافظ عليهما، عبر تعزيز القيم الإيجابية فيهما، وتحجيم القيم السلبية بواسطة القانون والتشريعات.
خلال الخمسين سنة الماضية، لم تتعرض بنية القبيلة للتحديث، بل ظلت محافظة على بنيتها التي كانت عليها في العصور الغابرة. ثم جاءت الدولة الحديثة، فبدأت قيم القبيلة تتغلغل إلى داخل بنية الدولة ومؤسساتها وقوانينها، وبدأت القبيلة تتدخل في كل أعمال الدولة، بدءاً من اختيار الموظفين، وانتهاءً بالمحاكم وتنفيذ الأحكام القضائية. ولكن في عهد النظام السابق، استطاع علي عبد الله صالح، وهو من خارج القبيلة، أن يحدث تحولات في بنيتها، لا لمصلحة الدولة وقيمها، ولكن لمصلحته الشخصية وأهداف استمراره في الحكم وتوريثه.
نشاهد الآن هذا الإستقطاب، حيث لم تعد القبيلة مصدر تأثير بحد ذاتها، إنما توزعت على مراكز نفوذ من خارجها؛ فقبائل منضمة إلى علي صالح وأخرى إلى الحوثيين، وقبائل مع «الإصلاح» وقبائل مدعومة سعودياً وقبائل تناصر «القاعدة»... إلخ. تحولت القبيلة إلى أداة يمكن أن يتم توظيفها من قِبل أي طرف، ولم تعد القبيلة هي التي توظف الآخرين لمصلحتها. لقد كانت القبيلة في اليمن هي التي تصنع الزعماء وتعزلهم بوصفها مؤسسة أقوى من مؤسسة الجيش والأمن، أما الآن فهي فقط للاستئجار ويمكن أن تناصر من يدفع أكثر.
للأسف، نحن الآن ندفع ثمن هذا التجريف حتى للقيم الإيجابية في القبيلة، فلا كرم ولا نصرة للملهوف، ولكن فقط الإنتصار لقيم التعصب الأعمى والبحث عن الغنائم، والمساهمة في الاسترزاق عبر تأجير المقاتلين. ليس المطلوب أن تعود للقبيلة سلطتها السياسية والاقتصادية، ولكن المطلوب استغلال ضعفها في فترة استعادة قيم الدولة، لتعزيز هيبتها ومكانتها دون أن ينازعها في ذلك منازع.
التعليقات