يبدو التحالف الحالي بين علي عبد الله صالح والحوثيين تحالفاً استراتيجياً لبقاء الطرفين؛ فكل منهما ضرورة لبقاء الآخر. لذا، فمهما بدا من صراع ومحاولات للتفرد بالسلطة أو المناوشات التي تنبئ بالانفجار بين الطرفين، لا يمكن أن تكون أسباباً كافية لحدوث قطيعة وفض الشراكة بينهما.
لكن هذا ليس معناه أنه لن تكون هناك حرب بينهما، بل إنها حرب مؤجلة. تفرض هذا التأجيل المواجهة التي يتعرض لها الطرفان من عبد ربه منصور هادي، والقوات المتحالفة معه، و«التحالف العربي» الذي يقف خلفه. ويمكن للمتأمل أن يلاحظ بكل وضوح ملامح الصراع القادم بين الحليفين اللدودين. هذه الملامح تبدو استنساخاً لتاريخ من الصراع مع أطراف أخرى خاضها الطرفان حتى استقرت صنعاء أخيراً عليهما، فتوحدا توحد ضرورة حتى ينفرد كل منهما بالآخر في حصاد المحصلة النهائية.
فعلي عبدالله صالح كان قد تحالف مع «الإخوان المسلمين» في العام 93، واستطاع بهذا التحالف أن يقضي على «الإشتراكي». وقد سبق الصراع الدامي بين الطرفين تاريخ من المناوشات واللجان والاتفاقات، التي وصلت في النهاية إلى حرب شاملة في العام 1994، قضى فيها علي صالح على شريكه «الإشتراكي»، وعلى الجنوب كاملاً بوصفه شريكاً في وحدة العام 1990، ومن ثم بعد ذلك أزاح «الإصلاح» ليتفرد بالحكم ويستفرد بالثروة والسلطة حتى إشعار آخر.
هذا التفرّد لم يدم طويلاً، فظهر الحوثيون في العام 2004 كقوة مسلحة فتية مدعومة بغطاء ديني وسياسي تسعى للوصول إلى السلطة. خاضت 6 حروب مع علي صالح نفسه، ثم بعد ثورة 2011 تحالفت هذه الحركة مع الأطراف السياسية الأخرى من أجل إخراج علي صالح، بيد أن سياسة صالح عملت على التحالف معها، وهو يحمل الرغبة ذاتها بالعودة إلى السلطة. خاضت الحركة بعد ذلك سلسلة معارك مع السلفيين، ومن ثم مع قبائل موالية لـ«الإخوان» في الشمال، بيد أن هذه المعارك كانت تتوقف بين الحين والآخر بعدد من الإتفاقات واللجان التي يخترقها الحوثيون ليسجلوا توسعاً جديداً بعد كل اتفاق.
بيد أن الإجتياح النهائي والكبير لصنعاء وبقية المحافظات جاء بعد ما سمي حينها بـ«اتفاق السلم والشراكة» الذي وقعه الحوثيون و«المؤتمر» وبقية شركاء العملية السياسية، وهو ما يمنحنا صورة واضحة عن أن أي اتفاق أو لجان مشتركة مع هذين الخصمين إنما هو تكتيك موجه لمعركة قادمة. ففي تاريخهما معاً لا يوجد أي اتفاق تم تطبيقه، واعتباره المخرج الحقيقي من الأزمة، وإنما يتم وضعه كاستراتيجية مؤقته تعطي الفرصة للترتيب للضربة القاضية.
إن قراءة المشهد الحالي في صنعاء تبين بوضوح أن الحرب القادمة آتية لا محالة، ولعل أهم دلالة على ذلك هو الاإفاقات واللجان المبرمة بين الطرفين، فهي تعيدنا إلى تاريخهما معاً في احترام الإتفاقات والتعهدات والتهدئة. التصفية بين الطرفين آتية لا محالة، ولا تؤخرها إلا الحرب الخارجية التي تجعل الطرفين يحتفظان ببعضهما، انتظاراً للفرصة المناسبة.
التعليقات