تكتسب الشرعية - في الأصل - مشروعيتها من الشعب، عبر الإنتخابات والاستفتاءات، فهو الوحيد الذي له الحق في إعطاء الشرعية لسلطة ما أو نزعها عنه. ولهذا السبب، حرصت الأطراف السياسية في اليمن، بعد خروج علي عبد الله صالح من السلطة في العام 2012، على أن يتم ذلك عبر استفتاء شعبي، ولو كان صورياً، من أجل أن يأخذ الرئيس المتوافق عليه السلطة في إطار الشرعية، وأصبح منذ ذلك الوقت الرئيس هادي هو الرئيس الشرعي.
لكن السؤال هنا هل كل من وصل إلى السلطة عبر اقتراع أو استفتاء هو شرعي، ومن ثم تصبح سلطته شرعية؟ ففي أحوال كثيرة يتم التلاعب بالشرعية والمشروعية بصورة غير مشروعة، كالتلاعب بالدستور وتزوير الإنتخابات وتضليل الرأي العام والتلاعب بكل القوانين من أجل استمرار السلطة في صورتها المشروعة، وهنا تصبح السلطة في صورة شرعية ولكنها فاقدة لها من داخلها.
عبد ربه منصور هادي تسلم السلطة في 2012 ليصبح الرئيس الشرعي لليمن، ولكن لمدة سنتين فقط، حتى تتم انتخابات جديدة. هذا يعني أنه منذ العام 2014 رئيس غير شرعي، وبهذا يكون قد أمضى أكثر من فترته الرئاسية من دون موافقة الشعب. وقد جاءت «عاصفة الحزم» وأخوتها من أجل إعادته إلى السلطة بدعوى استعادة الشرعية التي سلبه إيّاها الحوثي وحليفه صالح، لتكون الحرب منذ 2015 وحتى اللحظة هي حرب الشرعية مقابل الإنقلاب، فهل تمثل الشرعية حقاً، أم أن المشهد تنويع لصراع السلطة خارج إرادة الشعب أصلاً؟
إن المراقب لهذا المشهد الضبابي يعلم أن الشرعية ما هي الآن إلا اعتراف دولي، فالطرف الوحيد الذي يحمل لواء الشرعية هو عبد ربه منصور هادي وحكومته، لا لأنه منتخب من قبل الشعب، ولا لأنه مَن اختاره الناس وراضون عنه، ولكن لأن المجتمع الدولي بدوله وهيئاته ومنظماته لا يعترفون بأي ممثل لليمن سواه، حتى تلك الدول التي تدعم أطراف الإنقلاب في صنعاء لا تعترف إلا بهادي، وإن كانت تدعم أعداءه بصورة غير رسمية.
تتصرف السلطة المسماة شرعية من دون أن يكون لتصرفها هذا أي دلالة للشرعية، لا في الظاهر ولا في الباطن، ولا في الشكل ولا في المضمون. فالشرعية الإنتخابية افتقدتها منذ عامين، أما سلوكها تجاه المناطق التي تسيطر عليها فهي تقربها تماماً إلى سلوك أمراء الحرب وزعماء العصابات؛ حيث تتردى الخدمات وتنعدم المسؤولية، وتبقى المشكلة الأعنف حتى اللحظة مشكلة المرتبات، التي تتحمل وزرها بالدجة الأولى الحكومة التي تدعي الشرعية.
الحكومة الشرعية تدير الحرب وتدير البلد من الخارج، ومع ذلك حتى مسؤولياتها التي هي أصلاً خارج نطاق الحرب وخارج مناطق الصراع لم تستطع أن تتصرف فيها كما يجب. لم أستطع أن أستوعب لماذا حتى اللحظة يظل الطلاب اليمنيون في الخارج لمدة عام كامل من دون أي مساعدات مالية، في حين أن مليارات الدولارات تتدفق إلى خزينة الشرعية ولا أحد يعلم مصيرها. فلماذا لا تتحمل الشرعية على الأقل هذه المسؤوليات التي لا تحتاج سوى لإرادة صادقة في التعامل مع مشاكل الناس وهمومهم؟
وأخيراً، يمكن القول إن الشرعية لم يبقَ لها من الشرعية شيء سوى التوافق الدولي، وعليها أن تعلم أن المجتمع الدولي والإقليمي تتغير توافقاته بناء على مصالحه، وقد تصبح هذه السلطة في لحظة ما خارج إطار الشرعية بقرار دولي، بعدما فقدت تماماً غطاءها الشعبي.
التعليقات