وضع الإنسان في اليمن في حالة من التردي على مستويات مختلفة، اقتصادياً وأمنياً وتعليمياً واجتماعياً ونفسياً وصحياً. لا يمكن القول إن الإنسان في اليمن يعيش حالة التراجع في كل شيء، بل حالة الكارثة التي تسود كل شيء تقريباً. وتبين الأرقام الصادرة عن جهات دولية أن الملايين من اليمنيين مهددون بالموت جوعاً، وآخرين تتهددهم الأوبئة والأمراض الفتاكة التي كان العالم قد تخلص منها نهائياً، فيما يظل الهم اليومي متمثلاً في القتل المجاني الذي يهدد حياة اليمنيين رجالاً ونساء وشيوخاً وأطفالاً، هذا القتل الذي يأتيهم من السماء على شكل قنابل وصواريخ قوات «التحالف العربي» الذي تقوده السعودية، وعلى شكل ألغام وقذائف ورصاص مليشيات الحوثيين وحليفهم صالح.
لا يوجد أي حق من حقوق الإنسان محفوظ في اليمن. في هذا الوقت نفسه، نجد بعض الدول الغربية تدفع في اتجاه إنشاء لجنة تحقيق دولية للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان في اليمن، والتي يتم ارتكابها من جميع الأطراف، سواء تلك التي يقوم بها «التحالف العربي» ومن يدعمونه في الداخل، أو تلك التي ترتكبها قوات الحوثيين وصالح. وعلى هذا الجدل، نرى عياناً كيف تعمل المملكة العربية السعودية والإمارات وبقية دول الخليج التي دخلت ضمن «التحالف»، وكذلك الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا ومن يستفيدون من صفقات بيع الأسلحة في هذه الحرب، على عرقلة إنشاء هذه الهيئة المستقلة. في الوقت نفسه، نجد الحوثيين وحلفاءهم يشجعون على إنشائها، لا لأنهم مع حقوق الإنسان، ولكن لأنهم أقل خشية من هذه الآلية الدولية. فما الذي يجعل الدول تخشاها، في حين أن هذه الجماعات لا تخاف ذلك؟
تبدو الأمور في شكل دول مقابل جماعات. فالتقارير الدولية التي قد تصدر وتحمّل دولة ما مسؤولية انتهاكات وجرائم حرب قد تقود هذه الدولة أو مسؤولين فيها إلى الخراب، ويمكن أن تتخذ الدول الكبرى في مجلس الأمن هذه التقارير لتشكيل ضغط لابتزاز الدول أو إجبارها على تنازلات معينة لا تخدم الإنسان بقدر ما تخدم دولاً وأنظمة بحد ذاتها. صحيح أن التقارير الدولية قد تحمّل الجماعات أو الأفراد مسؤوليات ارتكاب مجازر أو جرائم أو انتهاكات لحقوق الإنسان، ولكنها ستظل مسؤوليات فردية، ويمكن التخلص من تبعاتها بسهولة، هذا بالإضافة إلى أن الجماعات والمليشيات غالباً لا تفكر تفكيراً استراتيجياً بعيد المدى، فهي تبحث عما يلبي لها مصلحتها بشكل آني بغض النظر عن التبعات التي يمكن أن تنعكس على رغبتها سلباً في المستقبل.
عملت السعودية وحلفاؤها طويلاً على عرقلة إصدار مجلس حقوق الإنسان لجنة للتحقيق أو آلية لبحث الإنتهاكات التي تم ارتكابها في اليمن خلال سنين الحرب الثلاث الماضية، واستغلت السعودية في ذلك دبلوماسيتها وأموالها وعلاقاتها الدولية للحيلولة دون حصول ذلك، ودفعت في اتجاه تشكيل لجنة وطنية داخلية مشكوك في حيادها كونها مدعومة من حكومة هادي المدعومة سعودياً. أما الحوثيون وحليفهم صالح، فقد عملوا على التنسيق من أجل تشكيل اللجنة الدولية، لا لثقتهم ببراءتهم من الجرائم ضد الإنسانية، ولكن لأن السعودية لا تريد ذلك، ولظنهم بأنهم قادرون على تضليل عمل اللجنة الدولية، وبأن تقاريرها قد لا تحملهم أي مسؤولية، وربما سيعملون في الأخير على التضحية بأفراد كما يفعلون دائماً، بإلقائهم أتباعهم إلى التهلكة في سبيل تحقيق رغباتهم هم.
إن تقارير حقوق الإنسان، بصورة نظرية، هي حماية لحقوق الضحايا الذين ترتكب في حقهم مجازر وحشية، بوصفهم الضحايا المباشرين للصراع دون أن يكون لهم أي تدخل مباشر فيه، ولكن هذه التقارير تُتخذ غالباً لغير غايتها الرئيسية، فتُستغل في الصراع السياسي الدولي، من أجل إخضاع دولة أو نظام معين، وابتزازه بهذه التقارير اقتصادياً وسياسياً، دون أن يعود الحق لأصحابه إلا في ظل إرادة وطنية يمكن أن تنتصر للضحايا، متخذة من هذه التقارير المحايدة نقطة انطلاق نحو العدالة الإنتقالية، والمصالحة الوطنية.
التعليقات