على مدى سنوات، ونحن نقرأ ونسمع ونشاهد عدداً من الكتاب والمثقفين والإعلاميين والمبدعين الذين يقدمون لنا خطاباً مفخخاً بالكراهية والعنف والمواجهة، وغالباً ما يكون هذا الخطاب مرافقاً لبعض التحولات السياسية التي تحصل داخل المجتمع اليمني. وهي تحولات سلبية غالباً ما تفتقر إلى الطرق المشروعة والطبيعية في استمرارها ونموها، فتكون على شكل صراع غير شريف يجعل طرفاً ما يستعمل لغة الإقصاء التي يتمثلها هذا الكاتب أو ذاك، تمهيداً لتحويلها إلى إقصاء فعلي يستهدف إلغاء المختلَف معه، ليس من الحياة السياسية فحسب، بل وربما من الوجود أيضاً.
يُشهر هؤلاء الكتاب خناجر لغتهم القاتلة التي تتسرب من حروفها الدماء، وبما يمتلكونه من مواهب في تزويق الكلمات، من أجل التحريض الممنهج على الآخر وإلغائه، لكن هذا الكاتب أو ذاك يعود فيذكّر قراءه بالتسامح والعفو، وتحكيم العقل، وضبط النفس، والحكمة، فقط حين يجد أن فعل الكراهية قد امتد ليصل إلى محيطه القريب، ما يجعله يدرك قبح الكراهية. فهو لم يلاحظها في تضاعيف كلماته، ولكنه رآها تحرق المحيطين به، فيتحول إلى ناصح ورجل للسلام، طالباً من الناس التعقل والحذر وأخذ العبرة.
إن موقفهم الناصح ليس معناه أنهم صحوا من غفوتهم، وعادوا إلى رشدهم. فهذا الموقف الإيجابي، كموقفهم السلبي تماماً من الحث على الكراهية والتحريض على العنف، قائم على أسس عصبية وغير إنسانية. فالهدف الأساسي هو إقصاء الآخر والتخلص منه مهما كان الثمن. فهو حين يختلف معك يعكف على التحريض ضدك، ويحشد في ذلك كل الإمكانات التي تبيح له إهدار دمك، ولكن حين يجد أن مبدأ الكراهية قد أصبح قريباً منه بحسب المعيار ذاته، نراه وقد تحول إلى ناصح أمين، وصار خائفاً على مبدأ الأخوة والتسامح، وتقبل الآخر.
إن فحص تحولات هذه الفئة من الكتاب والمثقفين والباحثين سيكشف التناقضات العجيبة التي يحتويها خطابهم، حيث تتقلب المفاهيم لديهم، وتكتسب دلالاتها من معنى اللحظة، في حين يمكن أن يكون لها دلالة مختلفة في وقت آخر. نجد مثلاً بعض الكتاب الذين رضوا بأن يكونوا جزءاً من جوقة الإعلام الموالي لصالح وحلفائه الحوثيين، فقد كانوا يحرضون منذ فترة ما قبل الحرب ضد المختلِف معهم سواء في الجنوب كما هاجموا كتاب ونشطاء الحراك الجنوبي، أو في الشمال كما هاجموا المختلِف معهم من «الإصلاح» أو حتى من شباب الثورة من الأحزاب الأخرى التي تعارض نظام علي صالح. هؤلاء الكتاب ذاتهم هم من ينادي الآن بالوحدة والأخوة ودرء الفتنة حين يتعلق الأمر بالصراع المحتمل بين الطرفين، وهم الكتاب ذاتهم الذين كانوا يهاجمون بعضهم أثناء الحروب الست. ومع هذه التناقضات، تتبخر الثقة ليس بهم فحسب، بل وبالمفاهيم التي كانوا يحملونها.
وفي الجنوب أيضاً، نجد بعض الكتاب الذين يجعلون من الشمال وأهله شياطين، ويكتبون في حق كل الشماليين ما لا تستطيع الصفة إدراكه، ولكن حين يتحدثون عن الخلاف الداخلي بين بعض أجنحة الحراك الجنوبي نجد لغة السلام، بل وتوظيف القرآن والتآخي والوحدة ولم الشمل، وكأن مصطلحات القرآن عن الوحدة والتسامح ونبذ العصبية تستهدف فقط من يريدون، فينزعونها عمن يريدون، ناسين أنها مبادئ إنسانية عامة تفرض على المنادي به أن لا يستثني أحداً.
إن المبادئ لا تتجزأ. فالتحريض على العنف يعبّئ المستهدَف بلغة الكراهية، وحين يتخلص هذا من المختلِف معه سيقوم بالبحث عن من يفرغ فيه هذه الشحنات السالبة التي تصل حد القتل، في طريق التهميش والإقصاء والإلغاء من الحياة السياسية والاجتماعية.
التعليقات