في الرابع عشر من أكتوبر 1963، تفجرت ثورة في جنوب الوطن ضد الإستعمار البريطاني. في الذكرى الـ54، نجد أنفسنا أمام واقع جديد مغاير ومختلف، يفرض إعادة القراءة، ومعرفة عوامل القوة والضعف، واستخلاص الدروس. فثورة الـ14 عشر من أكتوبر مثلت الإرادة القومية للتحرر من الإستعمار البريطاني، وكانت من أهم حركات التحرر الوطني التي كانت تجتاح القارات الثلاث: آسيا، وأفريقيا، وأمريكا اللاتينية. في الذكرى الـ54 نحن بمسيس الإحتياج لقراءة التجربة ذات المنحى العمالي، والمنزع البرجوازي الصغير، والمنبت الفلاحي.
تجربة ثورة الرابع عشر من أكتوبر 1963 قادتها حركة القوميين العرب المتحدرة من منابت متنوعة، وتنتمي غالبيتها إلى الطبقة الوسطى، والانتماء السياسي القومي. تحالف تيار الكفاح المسلح مع مجموعات قبلية وعشائرية في الريف الجنوبي. الحركة جزء أساس من الإتجاهات السياسية الحديثة التي نشأت في منتصف الخمسينات في مدينة عدن ثم تعز. ارتبطت الحركة منذ النشأة، سواء في الجنوب أو الشمال، والأكثر تحديداً في المدينة عدن، بالحركة النقابية العمالية، وكانت مصدر قوتها وحيويتها: النقابات الست، والحركة الطلابية، والتجار وأصحاب الدكاكين والمهن والحرف المختلفة.
منذ النشأة الأولى ولدت الحركة الوطنية اليمنية متداخلة ومترابطة منذ البيان الأول لكتيبة الشباب اليمني في القاهرة 1940: محمد صالح المسمري، أحمد عبد الرحمن الجفري ، ومحمد علي الجفري، وأحمد محمد نعمان، ومحمد محمود الزبيري، وسالم الصافي وآخرون، وكلهم من الشمال والجنوب هدفهم الإهتمام بالشأن اليمني. في ثلاثينات القرن الماضي، تكونت نواة الحركة النقابية العمالية، وغالبية أعضائها وافدون من مختلف المناطق اليمنية، وبالأخص من الشمال الفارين من ظلم الإمامة، وقسوة الأوضاع. الحركة النقابية العمالية والطلابية (كتيبة الشباب) بالقاهرة، والنوادي الأدبية، والجمعيات، ونشاط المهاجر اليمني، كانت الأرضية الأساسية لنشأة الحركة الوطنية.
دار جدل في اليمن حول أولوية الكفاح، هل ضد الرجعية أم الإستعمار؟ وفي حين كانت أولوية الأحرار اليمنيين الاستبداد الإمامي، كان مواطنو المتوكلية اليمنية - بسبب قسوة الأوضاع، ووطأة السلطة الإمامية وظلمها - يجدون في عدن الملجأ والملاذ. ورأى المفكر العربي، الأستاذ عبد الله عبد الرزاق باذيب، أن المهمة الأولى الخلاص من الإستعمار، وإجراء إصلاحات في طبيعة الحكم الإمامي في الشمال (المتوكلية اليمنية). وعبرت صحيفة «الطليعة»، التي صدرت في تعز عام 1959، عن هذا المنحى، ولكن الأستاذ المفكر المهم سرعان ما أدرك أن نظام الإمامة المستبد ليس مؤهلاً ليكون سنداً للنضال ضد الإستعمار - حسب أولويات الفكر الماركسي -؛ فالمتوكلية اليمنية ليست أكثر من نعش مسجى بالسواد كتعبير ابراهيم صادق. المؤتمر الطلابي الأول في القاهرة، والجبهة الوطنية المتحدة في عدن، هما من أدرك عمق الترابط بين الإستبداد الإمامي والاستعمار البريطاني، فدعيا إلى الكفاح الوطني لإسقاطهما.
قيام ثورة الـ26 من سبتمبر حسمت الصراع. كان أثر الثورة في الجنوب قوياً عبر عنه انخراط الآلاف من الحرس الوطني استجابة لنداء الدفاع عن الثورة، وانخرطت أعداد كبيرة من ردفان والضالع في الحرس الوطني، وكتائب الدفاع عن الثورة؛ مما دلل على عمق الترابط بين الإستبداد والاستعمار.
العائدون من معارك الشمال هم من فجر الثورة في جبال ردفان. وصل النضال السلمي والمطلبي إلى زقاق مسدود. والداعون أو المراهنون على منح الإستقلال عبر التفاوض أصيبوا بخيبة أمل. القوات المصرية فرضت الإندماج القسري بين التحرير والقومية مما عقد الأمور، ودفع إلى مواجهات محزنة تركت جروحاً غائرة في مسار الثورة.
واهم من يعتقد أن الثورة اليمنية قد سقطت وإلى الأبد؛ فلا شيء في التاريخ يموت. الأحداث العظيمة في التاريخ تبقى حية في العقول، وتتوارثها الأجيال، وتتخذ مسارات مختلفة ومتنوعة. ثورة الـ14 من أكتوبر حركة تحرر وطني لا تختلف كثيراً عن مثيلاتها في حركات التحرر الوطني في العالم في سماتها العامة، ولها خصوصياتها، وهي مختلفة، بهذا القدر أو ذاك، عن شقيقتها سبتمبر. ومن الغواية الحديث عن أم وبنت، أو فرع وأصل؛ فأكتوبر حرب تحرير وحرب عصابات في المدن، أما ثورة سبتمبر فانقلاب عسكري تحول إلى ثورة شعبية عارمة امتدت إلى مختلف مناطق اليمن، وفي الأخص في عدن ومختلف مناطق الجنوب، وكانت الخلفية والسند لثورة أكتوبر مسنودة بنجدة الزعيم العربي جمال عبد الناصر، ودعم الثورات القومية العربية، وحركات التحرر الوطني في العالم، والمعسكر الإشتراكي حينها.
منذ بدء الكفاح المسلح في 14 أكتوبر 1963، انقسمت القوى الجديدة: «البعث»، حركة القوميين العرب، والتيار الماركسي، ومستقلون، وقوى نقابية ومدنية عديدة. وقف «البعث» وحزب «الشعب الإشتراكي» و«المؤتمر العمالي» إلى جانب «الرابطة»، وعدد من السلاطين إلى جانب المفاوضات، ومنح الإستقلال عبر المفاوضات، مراهنين على وعود حزب «العمال» البريطاني. بينما تبنت حركة القوميين العرب والتيار الماركسي وعدد من النقابات التي اشتهرت باسم «النقابات الست» الكفاح المسلح؛ فالبعد القومي التقدمي فيها حاضر بقوة.
منذ المراحل الباكرة للاستقلال، قامت الجبهة القومية بتوحيد 22 سلطنة ومشيخة في سلطة واحدة، هي «جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية»، وقامت بتأميمات جائرة وصلت إلى قوارب الصيد، ودور السينما، والحيازات الصغيرة في الريف، وصولاً إلى بعض المساكن والدكاكين، ومصادرة حرية الرأي والتعبير والحريات الديمقراطية، والقضاء على التجربة الليبرالية الموروثة من العهود الإستعمارية، وتجريم التجارة والملكيات والحيازات الصغيرة، والنشاط الحر، والقطاع الخاص، والتجارة الخارجية.
كانت تجربة الجنوب التحررية فتية وواعدة. لم تُدرَّس التجربة كما ينبغي. وَجّه «الحزب الإشتراكي» نقداً مهماً لتجربته في الجنوب، ولكنه نقد ينوس بين الشكلية والجزئية، ولا يغوص عميقاً في التركيز على التركيب الإجتماعي لأداة الثورة، ولا السمات والخصائص الأساسية للبرجوازية الصغيرة، والتركيبة الفلاحة ذات الطبيعة الريفية، والتفكير التقليدي المتخلف. ولعبت الإراداوية، ومحاولات القفز على الواقع وإحراق المراحل، والتياسر، والاعتماد المهووس على القوة التي حسمت الصراع مع بريطانيا في زمن ليس بالمديد، والرهان على العوامل الخارجية في المراحل الأخيرة، دوراً سلبياً.
تجربة الوحدة لم تُدرَّس في صفوف الحزب بعمق. مغامرة السلاح والهوس بالقوة قادت إلى مغامرات كارثية: مغامرة تحرير الجزيرة والخليج، ومغامرة التوحيد بالقوة، مغامرات حروب الوسطى، مغامرات المواجهات الداخلية وآخرها كارثة يناير 86، ثم المغامرة السياسية في التوحد مع الشمال، وقبل ذلك وبعده غياب الديمقراطية في التجربة من المبتدأ للمنتهى، وغياب التركيز على الحداثة والتنمية والبناء، والاستناد إلى الجوانب الشائخة في الإرث العربي الستاليني، سواء في التجربة الروسية، أو في الأحزاب الشيوعية العربية والأنظمة العسكرية القومية.
في العام 1980 زار الأستاذان، محمود أمين العالم، والدكتور حسين مروة، عدن، ضمن وفود اتحاد الأدباء والكتاب العرب، وزارا مؤسسة «أكتوبر» ومكتبتها، وهي المكتبة الوحيدة في مدينة كانت العاصمة الثقافية للجزيرة كلها، ولاحظا خلو المكتبة من كتب الإستنارة الإسلامية: طه حسين، العقاد، أحمد أمين، الطهطاوي، الكواكبي، أرسلان، فأعربا عن الإنزعاج من فقر المكتبة، فالنهج أحادي الجانب، والرؤية الضيقة تدمر الحياة الثقافية والفكرية التي لا تعيش إلا من مناخ التنوع والتعدد والحرية والديمقراطية.
كانت الوحدة مع الخصوم السياسيين (أعداء الثورة اليمنية، سبتمبر وأكتوبر) تتويجاً لنهج المغامرة السياسية المتحولة عن مغامرة السلاح في تحرير الجزيرة والخليج إلى تحرير الشمال، إلى الوحدة بدون وضع الأسس والضوابط. قدم عديدون نقداً لتجربة الرابع عشر من أكتوبر بعامة، وتجربة «الحزب الإشتراكي»، وتجربة الوحدة، وربما كان الدكتور أبو بكر السقاف من أهم نقاد هذه الوحدة، والحوارات الموسعة التي دارت بينه وبين الفقيد عبد الله الأشطل بحاجة إلى قراءة، فقد جرت قبيل إعلان الوحدة بشهور.
حرب 94 كانت آخر مسمار في نعش الثورة اليمنية، سبتمبر وأكتوبر، وبداية مسلسل الكارثة التي نشهد تفاصيلها الراعبة.