أصبح واضحاً للعيان والمتابعين أن قوات «الحزام الأمني» في عدن لا تختلف ممارساتها تجاه المدنيين عن ممارسات ميليشيات الحوثي وصالح، والقاسم المشترك بينهما سلوك الميليشيات، التي تعمل ضد أي فكرة مدنية، وتمارس التغول على المجتمع مؤسسات الدولة.
إن قوات «الحزام الأمني» التي مولتها دول «التحالف»، وادعت أنها ستكون درعاً وحامياً للمدنيين والمدينة، أصبحت ملاذاً آمناً للخارجين عن القانون، والفارين من السجون، ووجد فيها المتطرفون التكفيريون بيئة مناسبة يستمدون منها القوة والسطوة لممارسة هيمنة ووصاية على المجتمع، لفرض قناعاتهم الأيديولوجية، وآرائهم الأحادية، بل والانتقام من المجتمع العدني في المجمل، والمخالفين لهم بشكل خاص، وامتدت أياديهم إلى العبث بالإرث الإنساني والتاريخ الحضاري للمدينة، وأصحبت صراحة هذه القوة خارجة عن سيطرة الحكومة الشرعية، وتدين بالولاء للخارج، بل ومارست فعلاً عسكرياً استهدف الرئيس هادي بسلاح «التحالف العربي» ذاته.
لكن الملفت هو تخاذل السلطات الشرعية، التي لم تتحدث ولو تلميحاً عن الدور الإفتراضي لقوات «الحزام الأمني»، وتبعيتها، وتجاوزاتها، باستثناء إشارة خجولة من محافظ عدن الذي وقف وحيداً عند تعيينه محافظاً. فهذه القوة أصبحت تهديداً أمنياً لكل معارض سياسي، لاسيما في ظل التخاذل من قبل مسؤولي الحكومة الشرعية، بل والتعامل اللامسؤول مع موضوع التمرد، وعدم طرحه بجدية على طاولة «التحالف» والرأي العام إن استدعى الأمر.
فمهما كانت درجة هزال الحكومة الشرعية في اتخاذها للقرار، إلا أنه يجب أن تدرك أن الأمر في عدن يتجه إلى تصفية وجود أي صفة اعتبارية لها، بل وامتهانها في أذهان الناس، وتهيئة الجو لسيطرة ميليشيات متعصبة، تسند تعصبها المناطقي بغطاء ديني، وتعمل كسلطة موازية للسلطة المحلية والحكومة الشرعية، وبإسناد إماراتي وتعاون سعودي واضح، ولا أحد يستطيع إنكار ذلك الإسناد والدور. فعلى سبيل المثال، تدخَّل طيران الـ«أباتشي» في قصف قوات الحماية الرئاسية على خلفية تغيير قائد كتيبة حماية مطار عدن بقرار رئاسي ورفضه التسليم، علماً أن تدخّل سلاح الطيران لا يتم الإ بعد موافقة من السلطات العسكرية العليا.
الأمر يتعلق أيضاً بالتعبئة الجماهيرية التي تضخها القيادات الجنوبية الموالية للإمارات والداعية للانفصال، فهي تتعامل مع مليشيات «الحزام الأمني» كجيش خاص بها ينتظر ساعة الصفر لفرض أمر واقع في المدينة، وقد بدأت فعلياً بالخطوة الأولى المتمثلة في شنّ حملة اعتقالات ومداهمات استهدفت مدنيين من أبناء عدن هم أعضاء في حزب «الإصلاح».
ولأن المدنيين المعارضين والمنظمين سياسياً عادة ما يكونون عائقاً كبيراً للحركات المسلحة إذا ما قرروا الإحتجاج، فقد تم إعطاء الضوء الأخضر لإزاحة عائق محتمل، وبذريعة وتهم تعامل موجّهوها وكأنهم يعملون على تطبيق القانون الإماراتي الذي يجرم الإنتماء الحزبي، لا الدستور اليمني الذي يقر بأن «الإصلاح» حزب سياسي، ويكفل حرية الإنتماء الحزبي، على الرغم من أن مَن استهدفتهم المداهمات لم يتم الإعلان عنهم يوماً كمطلوبين، ولم يكونوا في أماكن مشبوهة، بل في منازلهم.
وهنا تكمن الخطورة الأكبر، والمتمثلة في الشرخ الإجتماعي الذي يصنعه التحريض، والذي يشترك فيه حتى أئمة المساجد، ضد أبناء عدن من المنتمين لـ«الإصلاح»، وذلك بعد أن تم سابقاً إسكات الناشطين في منظمات المجتمع الأهلية، باغتيال عدد من الشباب الناشطين اجتماعياً وحقوقياً، بالتوازي مع حملة تكفير وتحريض اجتماعي شُنّت عبر عدد من الجوامع، وعبر صفحات التواصل الإجتماعي، تتهم أولئك الناشطين بنشر الإلحاد والفسق والفجور.
إن القضية الجنوبية قضية عادلة، وحلها أمر حتمي لاستقرار البلد، سواء تم انفصال أم لا، غير أنه يتم حرف مسارها، وتحويلها إلى هدف سياسي مناطقي عصبوي لصالح طرف لا يؤمن بالعمل المدني الذي أعطى للقضية الجنوبية زخمها، بل ولا يكاد يعترف بدور الحراك السلمي الجنوبي. فما يسمى بـ«المجلس الإنتقالي» بدأ يفرض هيمنته بدعم دول خارجية، معتمداً وملوحاً بالسلاح لكل من يخالفه، وذلك معناه تأسيس نظام شمولي جديد، أيديولوجيته إقصائية تخلط ما بين أيديولوجيا دينية وجهوية، وتستغل المظالم الإجتماعية والسياسية، وذلك تكرار للمشهد السياسي في خمسينيات القرن العشرين، حيث كانت بريطانيا تدعم الجهويات والعصبيات الضيقة، وحيث تم اختراع مسمى «الجنوب العربي».
لكن في ذلك الوقت، حضر القائد السياسي المثقف الأنموذج الواعي، كعبد الله باذيب وزملائه، متصدين ومفندين تلك النزعات والعصبيات الجهوية، فيما يغيب الآن الصوت السياسي الجنوبي المثقف في مواجهة تلك العصبية الشمولية. ولا أحسب أي صوت مدني في الوقت الحالي قادراً على التحدث في ظل استسهال التصفيات السياسية والهيمنة الأحادية المدعومة بالسلاح. فمن يتصدر المشهد السياسي في الجنوب اليوم يختصر في نفسه تمثيل كل مكونات الجنوب، وتهم الخيانة والعمالة - كما يفعل الحوثيون في صنعاء - جاهزة، ليس لمن لا يؤيدون طريقتهم في الهيمنة على المشهد، بل لِمَن يُعتقد أنهم كذلك، أو حتى من يتفق معهم في الهدف ويختلف معهم في آليات التنفيذ، ويتضح ذلك في الانقلاب على تجربة النضال الفريدة للحراك الجنوبي السلمي.