يبدو أن مسلسل الاغتيالات في اليمن قد وصل نقطته الأخيرة، بوصوله إلى رجال الدين الذين كانوا يعتقدون أنهم بمنأى عن الموت، فقد كانوا يعتقدون أن الرجل من بيته إلى المسجد سيكون بعيداً عن يد القتل، طالما لم يتكلم في السياسة ولم يتناول غير القضايا الدينية، بيد أنه يغيب عن أذهانهم أنهم صمتوا عن مسلسل الاغتيالات، وهم يعلمون جيداً أن في أيديهم الكثير ليفعلوه، من خلال الوقوف بقوة وحزم أمام فكرة القتل التي بدأت باستهداف الأجانب ثم بموظفي الأمن السياسي والاستخبارات ثم رجال الأمن فالجنود إلى المسؤولين والموظفين المدنيين، ثم أخيراً يعودون إلى رجال الدين. هكذا هي الدائرة تماماً، كمن يفكر في أن يعبر الكرة الأرضية فيجد نفسه يعود مرة أخرى إلى نقطة الانطلاق. لقد صمت رجال الدين وتواطأوا تماماً كما تواطأ المجتمع، والآن يدفع الجميع ثمن هذا التواطؤ.
لقد بدأت الاغتيالات باستهداف القوات الأجنبية في اليمن، كما حدث مع المدمرة الأمريكية «كول»، ثم تبعتها السفينة الفرنسية في الضبة بحضرموت. وقف الكثيرون حينها إما مباركين أو صامتين، ليؤكدوا أن هذه الأعمال بطولية، ولم يدركوا أن فكرة المواجهة بالموت بدون منطلق قانوني ولا مبرر مشروع هي تسهيل لحركة الموت بلا حساب ولا عراقيل، فانطلقت الاغتيالات سريعاً إلى السواح والموظفين الأجانب العاملين في اليمن، وظل الصمت أيضاً وعدم رفض فكرة الموت لأنها مشروعة طالما هي تستهدف من يرونهم كفاراً وغير مسلمين.
تحول الأمر بظهور مسلسل اغتيال عناصر الأمن السياسي والمخابرات، وهنا أيضاً صمت الكثير، ولم يتحرك المجتمع، ناهيك عن الصمت المطبق لرجال الدين لأنهم يرون عناصر المخابرات أداة من أدوات التعذيب والتجسس والعمالة وهم بنظرهم يستحقون الموت، حتى ولو كان هذا الموت بأدوات الإرهاب والانحراف الفكري.
انطلقت رصاصات الاغتيالات بعد ذلك لتستقر في صدور الضباط والجنود من الجيش والأمن، وسكت كثير من رجال الدين لاسيما في الجنوب، خاصة لو كان هؤلاء القتلى من الشمال. لم ينظروا إلى أن القاتل يقترب خطوة خطوة من المجتمع، حيث وجدوه أخيراً يستهدف المواطنين والعزل في تجمعاتهم ومقاهيهم. نراهم الآن يستغربون حين يصل إلى محطته الأخيرة عند أئمة المساجد والدعوة ورجال الدين. لقد كانت الكثير من الاغتيالات تنطلق بتصريح من رجال دين، وهاهي الآن تستهدف رجال الدين ذاتهم.
إن ما يحصل الآن يؤكد أن الصراع ليس دينياً، وأن من يقف وراء الاغتيالات يحمل أهدافاً ومصالح سياسية واقتصادية لا علاقة للدين بها من قريب ولا من بعيد، وهذا يعني أن من قام بقتل السواح والجنود الأجانب إنما فعل ذلك لمصلحة ما، المهم أنها ليست دينية. إن من يراقب سلوك القتل سيجد أن المعتدين يستعملون الأداة نفسها والطريقة ذاتها، فالسلوك واحد، وهذا يعني أن القاتل هو ذاته في السابق والحاضر، لم يختلف إلا الضحايا، وتبقى طريقة القتل واحدة والقاتل واحد. وهنا نتساءل لماذا يقول رجل الدين إن هذه الاغتيالات تهدف إلى إطفاء نور الله؟ لماذا لم يكن استهداف الجنود والمسؤولين والأجانب إطفاء لنور الله أيضاً؟
هل سيدرك رجال الدين ولو متأخرين أن صمتهم عن الموت سيقوده إليهم؟ وهل سيدركون أن كل من يتواطأ مع السلوك الخاطئ ويصمت عنه لأنه لا يصيبه سيكتوي بناره؟ إن الوسيلة السيئة لا يمكن أن تقود إلى نتيجة جيدة، ومتى ما قَبِلنا الوسائل السيئة على من نختلف معهم فإننا نقدم تصريحاً لمن يقوم بها بأن يطبقها علينا لاحقاً.
التعليقات