لم تكن جبهات للقتال والمواجهات العسكرية فقط، بل هي أيضاً حلبات محكومة بالتوازنات السياسية والحسابات الانتهازية ومبادئ الربح والخسارة وتدخلات النخب الساعية من أجل مصالح اقتصادية واجتماعية آنية وأنانية. هذه هي جبهات الحرب المفتوحة في اليمن، بدءاً من نهم، مروراً بتعز والبيضاء وميدي. أكثر من سنة ونصف سنة وهي تحصد آلاف الشباب من كلا الطرفين، وتنتقي أفضل القيادات العسكرية والجنود والضباط، وكلما طالت الحرب زادت هذه الجبهات نَهَماً لالتهام المزيد دون أن يلوح في الأفق أمل ما يمكن أن يوقفها.
زغردت وسائل إعلام «الشرعية» للاختراق الذي حققته قواتها وهي تقترب لمسافة لا تزيد عن 30 كيلومتراً من العاصمة صنعاء، وروجت لكون قواتها أضحت على مشارف العاصمة، وأن قوات الحوثي - صالح يبدو أنها بانتظار مواجهة مصيرها المحتوم قريباً. كان هذا عندما وصلت تلك القوات إلى منطقة نهم قبل أكثر من عامين. ظلت الأنظار ترقب نهم تبة تبة، وحجراً حجراً، ولكنها تحولت مع الأيام إلى معمل لالتهام الشباب المملوء بدعايات الدفاع عن الوطن ولكن من منظورين مختلفين: الأول يدافع عن الوطن وشرعيته التي سلبها الانقلاب، والثاني يدافع عن الوطن الذي تسعى قوى خارجية للسيطرة عليه.
لا يمكن أبداً فهم الاستراتيجية التي تعمل بها فلسفة قيادة المعارك في هذه الجبهات التي تراوح مكانها منذ أكثر من ثلاثين شهراً من الحرب. لا يمكن فهمها خارج سياق الاستنزاف، استنزاف البشر من كل الأطراف لكي تظل الحرب مستمرة أكبر قدر ممكن من الوقت. فكلما طالت الحرب وضعت لنفسها بصمات في عمق المجتمع لا يمكن أن يتم محوها بسهولة، وسوف تعمل على غرس بذور صراعات جديدة من خلال تعميق الجراح في النفوس، وتوسيع مستوى الثأر الاجتماعي على مستويات مختلفة اجتماعياً وسياسياً ومناطقياً وعرقياً.
أن تظل جبهة ما أكثر من عامين ونصف عام وهي تتقدم وتتأخر في مساحة لا تزيد عن كيلومترين، فهذه فضيحة لا يمكن تسويغها أبداً، ولكنها تثير لدينا الكثير من التساؤلات. فكيف استطاعت القوات الموالية لعبد ربه منصور هادي والمدعومة سعودياً أن تتسلق جبال فرضة نهم وتصل إلى منطقة قريبة من العاصمة؟ ما الذي أوقفها عند هذه النقطة وهي قد تجاوزت المناطق الأكثر وعورة وبقي الأقلها؟ في المقابل، إذا كانت قوات الحوثي - صالح قوية إلى هذه الدرجة من الإعداد والدفاعات، فكيف استطاعت القوات المعادية لها أن تصنع هذا الاختراق الكبير؟ ولماذا لم يتم قطع دابر تلك القوات بدءاً من سفوح الجبال المطلة على صحراء مأرب؟
إنها تساؤلات لن يجد لها المحلل العسكري إجابة إلا إذا استعان بنظرية المؤامرة، التي تؤكد أن بقاء هذه الجبهات نازفة كل هذا الوقت إنما هو ابتغاء استنزاف الكثير من البشر في انتظار حصول تسوية سياسية، تضمن لأصحاب المصلحة داخلياً وخارجياً وجود مكاسب كافية، والحصول على ضمانات ملائمة تمنحهم الفرصة لإنهاء الحرب وتقاسم المصالح، بناء على رغبات جهات مختلفة متصارعة ومتباينة، ولكنها متفقة على أن الشعب اليمني آخر من يهمه أمر هذه التوازنات.
التعليقات