يبدو أن «التحالف العربي» الذي تقوده السعودية لم يعد يعرف ما الذي يفعله باليمن!
من شدة حرص أخوة العروبة على الشعب اليمني، لا يريدون إيقاف الحرب عليه وفوق رأسه وعلى أشلائه. لم يكتفوا بفرض كل موانع التطور والعيش الكريم عليه طيلة قرن كامل، حتى وصل بهم الأمر إلى ضرب قيمة التعايش، وتدمير ما تحصل عليه من بنية تحتية بشق الأنفس. هل توجد روابط أخوية أكثر متانة من هذه؟ لقد وصلت متانة العرى الأخوية إلى إغلاق جميع المنافذ اليمنية مع الخارج: مطارات، موانئ، ومنافذ برية. يا رب السموات! دعونا نستعير من تعبيرات عامة الشعب الذين نعتقد بأنهم لا يفهمون السياسة: «حتى الإسرائيليون لا يفعلون هذا مع الفلسطينيين»!
في الوقت الذي تطالب فيه المنظمات الدولية ونشطاء السلام بفتح مطار صنعاء، تسعى السعودية إلى جس نبض الرأي العالمي بإعلان غلق كافة المنافذ اليمنية. وإلى ذلك، تسعى لتأليب التعاطف معها على إثر إطلاق صاروخ يمني على الرياض.
سنتان ونصف من الحرب المدمرة بذريعة تحرير اليمن من الحوثيين ومنعهم من التحول إلى «حزب الله آخر»، بذريعة تحصين اليمن من نفوذ إيران، حصار شامل لمنع وصول الإمدادت العسكرية للحوثيين وصالح... والنتيجة؟ امتداد مجال الصواريخ اليمنية إلى أبعد مدى يمكن تصور خطورته بالنسبة للسعودية: العاصمة الرياض. ما الذي كان يتوقعه الأمير محمد بن سلمان من استمرار الحرب؟ أن يضع «الانقلابيون« أيديهم فوق رؤوسهم في انتظار عفو ملكي عنهم؟ لقد انقلبوا على السلطة كأي فصيل مسلح انتهز الفرصة في بلد تم إغراقه في الفوضى والفراغ السياسي. هذا ليس تبريراً للانقلاب، لكن هل صارت الانقلابات السياسية حول العالم من مخلفات الماضي؟ لا أحد يجهل أن السياسة الدولية ما زالت قائمة على تفكيك أنظمة وتصعيد أخرى وفق معايير الصراع بين الدول الكبرى ومصالحها الاستراتيجية.
وإذا كان الحوثيون انقلبوا على سلطة هادي تدريجياً، فلعلنا نتذكر آخر تصريح صحفي للمبعوث الأممي السابق، جمال بن عمر، الذي حمّل فيه الحكومة السعودية مسؤولية انهيار العملية السياسية بسيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء. نعم تمادى الحوثيون في شن الحرب على عدن ومحاولة إنهاء سلطة الرئيس الشرعي، الذي عانت الفترة الانتقالية في عهده مخاضاً عسيراً، لكنهم بعد خمسة أشهر فقط دفعوا ثمناً باهظاً لذلك. وها هي عدن «محررة» منذ سنتين، وخاضعة لإدارة دولية تشبه الوصاية، وفيها البنك المركزي المنتقل إلى رحمة الله، ومحلات الصرافة التي تبيع الدولار بأكثر من ربعمائة ريال.
ما الذي تخفف إذاً عن كاهل المواطن اليمني، في الشمال أو في الجنوب؟ ما الفارق الذي يمكن أن يعول اليمنيون على «تحالف العروبة» أن يحدثه لرفع مشقة الحياة ومهانتها عنهم؟ لا يكفي فارق الأمان من الغارات الجوية الخاطئة أو شاحنات المواد الإغاثية التي لا تخطئ طريقها إلى أسواق الشمال أيضاً. لا يكفي توفر سيولة النقد الأجنبي المتنمر على العملة الوطنية... نعم العملة الوطنية التي تأتي في طليعة الأمور العملية التي تجعل من الانفصال رصاصة الرحمة بالنسبة للداخل ومزحة في نظر الخارج. إذ ما دمنا نستخدم العملة نفسها، وشركات الاتصالات نفسها، والأوراق الثبوتية نفسها، سنظل خاضعين لمذلة الحرب نفسها، حتى ونحن نعيش وضعاً أشبه بوضع الدولتين الذي كان سارياً قبل الوحدة.
لذلك، فأي تشديد للحصار أو تسعير لوتيرة الحرب، لن يقتصر تأثيره على سكان الشمال وحدهم. وبالتالي، فإن معايير دول «التحالف» في إغلاق منافذ اليمن سوف تتعرى أخلاقياً أكثر مما قد تعرت منذ بداية الحرب. ذلك أن المنافذ اليمنية مغلقة أصلاً منذ 26 مارس 2015، وما حدث بعد شهور مريرة من الحصار والقصف، لا يعدو كونه رفعاً جزئياً لقيود حركة التجارة وقيود حرية السفر على المواطنين في الشمال، مع تكبيدهم مشقة ومخاطر السفر عبر المنافذ الخاضعة لسيطرة قوات هادي وإشراف قوات «التحالف» نفسه.
عن أي منافذ يتحدثون إذاً، وأي منفذ لم يغلقوه بعد؟ هل يعتزمون إغلاق ميناء الحديدة؟ هو مغلق بطبيعة الحال إلا من بعض ما يسد الرمق. هل ينوون منع طائرات الأمم المتحدة من الهبوط بين حين وآخر في مطار صنعاء مثلاً؟ هي لا تصنع ذلك الفارق الإغاثي الذي يعتقد العالم بأنها تصنعه: قليل من الدواء، وأحياناً توصل مسؤولاً أو مبعوثاً كلما استشعر البيت الأممي الحرج إزاء الموت المجاني متعدد الأسباب وقد أحاط بملايين اليمنيين من كل الجهات.
لا أحد خارج هذا الجحيم يعرف حجم المشقة التي بات اليمنيون يكابدوها للاستمرار على قيد الحياة. سأظل أكرر هذا بلا خشية من فخاخ التزيّد والمبالغة. لا أحد، بمن في ذلك موظفو الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية ونشطاء السلام الذين يسعون، بضمير إنساني صرف، لتشكيل لوبي ضغط عالمي على النظام السعودي لإيقاف الحرب على اليمن. وما دام حجم المأساة أكبر من أن تنقله الاحصائيات والتقارير المفرطة في إنسانيتها، فسوف يستمر «أخوة العرب» حائرون إزاء ما يرغبون فعلاً بفعله في اليمن المستباح. ولو عنّ لهم أن يتلهوا به في حفلة شواء، فلن يترددوا في إبرام صفقات دولية لاستيراد شوّايات خاصة باللحم البشري.