تدخل العربية السعودية في عهد الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده محمد، والانقلاب الذي قام به الأخير، في تطور جد خطير في طبيعة الحكم في المملكة، ويمكن لهذا المسار أن يمثل المرحلة الرابعة في المملكة، أو الثانية (1843- 1865) كانقلاب بعد الدولة الثانية التي تفككت بسبب الصراعات العائلي، ومقتل مؤسسها تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود على يد قريبه مشاري بن عبد الرحمن بن سعود.
الدعوة التوحيدية لدى مؤسس المذهب الوهابي، محمد بن عبد الوهاب، كانت استجابة أو رد فعل ضد التفكك والصراعات القبلية والعشائرية ذات الجذر البدوي. البعد السياسي والمغزى الأيديولوجي كان أكبر من التجديد الديني؛ فحظ الداعية محمد بن عبد الوهاب من الحديث والتفسير والفقه محدود، ومن باب أولى المنطق والمعارف الأخرى، بما في ذلك علوم الآلة والتاريخ والآداب. ويبدو أن رحلاته إلى بلاد الشام وإيران ومصر قد فتحت عينيه وقوى الطموح لديه على التوحيد في بلد تمزقه الصراعات القبلية والعشائرية والخرافات والشعوذة؛ فالتوحيد هنا أرضي أكثر منه سماوي. هزيمة الدولة السعودية الأولى (1745 – 1811) على يد إبراهيم محمد علي باشا أحيت روح التعاطف والولاء لآل سعود وللدعوة الوهابية أيضاً؛ وهو ما ساعد على سرعة إعادة إحياء الدعوة تحت الراية السعودية.
يلاحظ الأستاذ علي أومليل في كتابه «الإصلاحية العربية والدولة» أن الإحياء الديني العربي يأتي من الريف غالباً. الإمامة في صنعاء استندت إلى مبدأ الخروج ضد الإمام الظالم، وضد مجتمع الانحراف عن الدين في المدن المحاطة بالقبائل القوية الأكثر بداوة وتخلفاً. يخرج الإمام الذي نشأ وتربى وتعلم في المدينة: صنعاء أو ذمار أو صعدة أو شهارة، إلى القبائل الأقوى عصبية وقدرة على التجييش؛ لغزو المدينة التي أتى منها، ولاجتياح المناطق الزراعية، وهو ما يعيد ويكرر الرؤية الخلدونية كحاضر لا يزال يجتر الماضي حتى اليوم.
مطلع القرن الثامن عشر الذي بدأت فيه دعوة التجديد البدوي القبلي الوهابي في نجد، كانت في صنعاء أيضاً دعوة إصلاح يقودها عالم دين ثائر. كان الثائر ابن الأمير الصنعاني يدين صراعات آل القاسم، ويرفض تكفير أصحاب التأويل، ويدين مبدأ الخروج (تغيير المنكر بأنكر منه). اتفق ابن الأمير مع الداعية الوهابي في قصيدة له شهيرة، وسرعان ما اختلف معه؛ لأنه قرأ فيه روح الهمجية والبداوة، والتكفير، واستباحة الدماء.
تجديد ابن الأمير يعكس روح وطبيعة مجتمع صنعاء، ودعوة محمد بن عبد الوهاب تعكس روح مجتمع نجد البدوية، ونجد أن ما يجمعهما قول مأثور: «إن الله يبعث لأمتي على رأس كل مائة عام من يجدد لها أمر دينها».
التجديد في مصر بدأ بدعوات الإصلاح عند رفاعة الطهطاوي، وفي تونس على يد الباشا الباي خير الدين التونسي صاحب «أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك»، وشهدت لبنان دعوات التجديد اللغوي، وبعث الروح القومية: أنطون سعادة، أحمد فارس الشدياق، البستاني، وعبد الله العلايلي.
كان قيام الدولة الثالثة على يد عبد العزيز آل سعود متحالفاً مع آل الشيخ، ومرتكزاً على العصبيات القبلية والبدوية القوية. وجد ابن سعود نفسه في مواجهة مع الانقسامات القبلية، والمشيخات القديمة (آل رشيد في شمر، أنسابهم، وحلفاؤهم السابقون)، ومع التيارات المدنية والسياسية في الحجاز (أحرار الحجاز، والملك عبد الله) وفي مواجهة مع الأتراك والبريطانيين. بذكائه البدوي أعطى الأولوية للصراع مع الأتراك، واقترب من البريطانيين؛ وهو ما مكنه من حسم الصراع مع آل رشيد، ومع الملك عبد الله وأحرار الحجاز، وفيما بعد الأدارسة في عسير والمخلاف السليماني، وتحقيق الانتصار على اليمن.
كانت الروح البدوية المتخففة من الحمولة الإسلامية، والمتصادمة مع الأتراك، والقريبة من البريطانيين، وفيما بعد الأمريكان، كل ذلك هيأ ابن سعود لقطف ثمار انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الأولى (1914-1918م). أما في الثانية، فقد أصبح الحليف الأساس للأمريكان.
كان الإمام يحيى رجل دين مغلق وغير منفتح على العصر. تحالف مع الأتراك في الحرب العالمية الأولى دفاعاً عن الخلافة الإسلامية؛ ليجد نفسه في مواجهة مع البريطانيين المحتلين جنوب اليمن، ومع ابن سعود في الشمال: عسير، ونجران، والمخلاف السليماني.
يشير الدكتور علي أومليل إلى «أنه إلى زمن الغزالي ظل الإسلام مكتفياً بذاته، ويطرح سؤال التأخر والتقدم، سؤال القوة والضعف. فالمسلمون قديماً لم يطرحوا مثل هذا السؤال حين غزتهم أوروبا الصليبية، وحين أخرجهم المسيحيون من الأندلس؛ ولذا نجد الغزالي، مثلاً وهو يرد على الغزو الصليبي، يرجع إلى البضاعة المأثورة، يقيم مشروعاً لإصلاح إسلامي، مكتفٍ بذاته دون الالتفات إلى ما عسى أن يكون عند الغير». (الإصلاحية العربية والدولة الوطنية، ص89).
تصرف ابن سعود كزعيم قبيلة في خوض المعارك، وكرجل دولة في الشأن السياسي العام. حشد من حوله عقولاً سياسية عربية مهمة: حافظ وهبة، خير الدين الزركلي، رشيد رضا، فؤاد حمزة، وعبد الله فيلبي البريطاني والمندوب البريطاني كوكس. استوعب إلى حد بعيد الإشارات البريطانية، وطبق في الحياة اليومية، خصوصاً مع مدن الحجاز: الطائف، مكة، المدينة، جدة، تقاليد متزمتة صارمة تهدم القباب والمزارات، وتفرض القسوة البدوية في إقامة الشعائر الإسلامية، وفي التضييق على تقاليد المدن وتفتحها وتسامحها، وتعامل المطاوعة مع أهل المدن كمارقين، ومع الصوفية والمذاهب الأخرى كمشركين.
في عهد سلمان، جرت الأمور بصورة دراماتيكية ومتسارعة، من تعيين محمد ابنه ولي العهد، إلى الإطاحة بولي العهد مقرن بن عبد العزيز، وتعيين محمد بن نايف بدلاً عنه، وتعيين ولي لولي العهد محمد بن سلمان. تسارع التعيينات يؤشر إلى أن محمد بن سلمان هو رجل الحكم القادم.
بسرعة مذهلة، أجرى ابن سلمان تغييرات في المراكز وفي المواقع المهمة في الأجهزة؛ مما ساعده على الاستيلاء بضربة لازب على مقاليد السلطة (كل السلطة). ما جري ويجري في المملكة الآن هو انقلاب قصر بامتياز. نقل السلطة من آل سعود إلى ابن سلمان، والإجراء القاسي في الاعتقال، والحجز على الثروة، وتهم الفساد، مؤشر إقصاء أسلوب المشاركة الذي ساد في الحكم، والانفراد بالسلطة والثروة، فالانفراد هو العنوان الرائس، وهو انقلاب على شراكة أقطاب الأسرة الأقوياء أو الذين كانوا أقوياء، وتحجيم لدور الدعاة الوهابيين من آل الشيخ، وتحديد وظيفتهم كتابعين غير مشاركين.
مغامرة محمد بن سلمان لم تأت من فراغ. فالسلطة المتخمة بالثراء غرقت في الفساد، ووصلت إلى مرحلة العجز المدقع، وأصبح التغيير ومطلب العدالة والحداثة ومشاركة قطاعات واسعة من الشعب ملحاً؛ فالطبقة الوسطى في المملكة أصبحت واسعة وفاعلة وحية، والكفاءات الكبيرة أصبحت بالمئات والآلاف، وانتشر الوعي والحداثة بصورة كبيرة، ودخلت المرأة السعودية ميدان معركة المطالب (الحق في قيادة السيارة!)، ووصل التململ إلى دعاة الإصلاح من رجال الدين المستنيرين، وبلغت شيخوخة رأس الحكم حد «الزهايمر» على حد تعبير توماس فريد مان.
سقطت السلطة الشائخة في يد ابن سلمان كالتفاحة. بالأمس كانت قوة المملكة في تعاضد ما يقرب من سبعة آلاف هم أعضاء الأسرة المالكة، لكن لم يعد الآن الأمر مهماً.
ولغز «أبو الهول»: هل يستطيع الأمير الشاب المستعجل جداً الاستمرار في خوض الصراع على أكثر من جبهة: جبهة الداخل مع غيلان السلطة (الأمراء)، ومع الحليف الديني (آل الشيخ)، ومع الحرس الوطني بوشائجه القبلية، ومع حرب أشعلها في بلدٍ كاليمن ذاكرته التاريخية والشعبية في الحرب متقدة؟!
قصف الطيران شبه اليومي على مدى عامين ونصف العام، وإشعال وتمويل الحرب الأهلية يدمر اليمن، ولكنه لن يحقق الانتصار. الحصار على قطر، وتصعيد الصراع مع إيران، وفتح جبهة في لبنان، إضافة إلى تورط المملكة في تمويل الحرب في سوريا، والعراق، ونشر التطرف والإرهاب في العديد من بلدان العالم، والإنفاق الخرافي على صفقات السلاح، يلقي بظلال كثيفة على مسار التوجه السعودي الجديد.
التقى ترامب في زيارة للمملكة بخمسين من رؤساء وزعماء العالم الإسلامي، وخرج اللقاء بما يشبه إعلان حلف سني ضد إيران الشيعية. يؤيد ترامب كل إجراءات ابن سلمان، فهل الاعتماد على ترامب مضمون وكافٍ لإعلان الحرب على أكثر من جبهة؟
الصراع في المملكة يدور في الحلقة الضيقة داخل العائلة المالكة؛ لنقل حكم من التشارك بين عدة أقطاب إلى حكم فردي يجرد كل القيادات الأسرية من المال والنفوذ، ويضعها في دائرة الفساد. وعمل كهذا يلقى التأييد من المواطنين الذين كواهم الفساد، والغبن الاجتماعي، والإقصاء. إنه تجسيد أو تمثيل لأكذوبة «المستبد العادل» الذي يفرض إرادته على الجميع، ولا يحتكم إلى قانون، أو يتقيد بنظام.