افتتتحت الجمهورية اليمنية القرن الحادي والعشرين سياسياً واقتصادياً تحت غطاء الحرب على الإرهاب، فقد كانت البلد الثاني بعد أفغانستان، ثاني أكبر بلد يأوي الإرهابيين المعادين لأمريكا ولحلفائها، بحسب التصنيف الأمريكي. بيد أن أمريكا منذ 2002 وحتى اللحظة تفضّل المواجهة غير المباشرة مع الإرهابيين في اليمن من خلال طائرات «الدرونز» أو الضربات الصاروخية التي تنطلق من سفنها ومدمّراتها في المياه الدولية.
أكثر من عشر سنوات من الحرب على الإرهاب في اليمن وهو يستغل سياسياً من قبل نظام علي عبدالله صالح، لتحقيق أكثر من هدف في وقت واحد، الهدف الأول هو الحفاظ على الدعم الدولي لاسيّما من قبل الولايات المتحدة الأمريكية لنظام علي عبدالله صالح، بوصفه الشريك الأساسي لمواجهة «القاعدة» وأتباعها، وفتحه الأجواء للطائرات الأمريكية لممارسة عملها في المراقبة والتصوير والقتل خارج القانون، سواء للإرهابيين المستهدفين أو المدنيين، الذين تقتلهم تلك الضربات عن طريق الخطأ، كما حصل في منطقة المعجلة في أبين.
فالنتيجة المباشرة التي يجنيها النظام السياسي اليمني هو حصوله على غض الطرف عن انتهاكات حقوق الإنسان والصمت أمام تلاعبه بالديمقراطية والتمديد لنفسه في السلطة من خلال التلاعب بالدستور وتزوير الانتخابات وغير ذلك. أما الهدف الثاني، فهو استعمال الإرهاب بوصفه فزّاعة أمام العالم وتقديم اليمنيين بوصفهم إرهابيين محتملين ومن ثم يطلب من العالم تقديم المساعدة لكي لايتحوّل هذا الإرهاب إلى أداة تدمّر العالم، فيحصل على الأموال والمساعدات الدولية التي تقدم لليمن فقط لأنه يكافح الإرهاب.
تنحى علي صالح عن السلطة فتحول الإرهاب - الذي كان يبدو منظما نوعا ما- إلى كائن منفلت، بل وصل به الأمر إلى أن يستلم محافظات كاملة كما حصل في أبين في العام 2012، وما حصل بعد ذلك في المكلا في العام 2015، وهنا يكون الإرهاب الذي حذّر منه علي صالح مراراً، فيما لو خرج من السلطة يكون قد تجسّد في صورة إمارات فعلية تثبت للعالم أن علي صالح هو المحارب الأول للإرهاب، وحين خروجه ها هو يتحوّل إلى إمارات تتبع «القاعدة»، بل أسوأ من ذلك، فقد ظهر تنظيم «الدولة» أيضاً وفجّر المساجد في صنعاء، أثناء حكم عبدربه منصور هادي.
ولكن ما أن تم ترحيل عبدربه منصورهادي من صنعاء، وتحولت إلى حكم علي صالح، وشركائه في الانقلاب، حتى تحوّلت إلى مدينة آمنة، وهكذا تتبيّن الرسائل السياسية بشكل واضح، حين يكون علي صالح، في الحكم فإن الإرهاب تحت السيطرة، ولكن حين يتنحى فإنه ينفلت من عقاله.
لا يمكن فهم استراتيجة عمل الإرهاب في اليمن ومن ثم محاولة القضاء عليه دون فهم طبيعة التوظيف السياسي، فأكبر قادة الإرهابيين الفاعلين الآن في اليمن تم إخراجهم من السجون في صنعاء بعمليات مشبوهة توضح تواطؤ الأجهزة الأمنية اليمنية في هذا الخروج، مثل ما حصل في سجن الأمن السياسي عام 2006، وتهريب كل سجناء «القاعدة» من سجن المكلا عام 2015، ليخرجوا بعدها ويستلمون حكم المكلا لأكثر من عام، قبل أن تتمكن قوات «النخبة الحضرمية» من إخراجهم منها.
كذلك عمليات تسليم المعسكرات بدون مواجهة في أبين وفي المكلا، هذا التسليم لا يمكن أبداً فهمه خارج سياق التوظيف السياسي للإرهاب، وأن تسليم هذه المعسكرات لم يأت من انهيار المنظومة العسكرية أمام الإرهاب، وإنما بقرار سياسي يقضي بتسليم هذه المعسكرات للإرهابيين لتحقيق هدف سياسي.
من المسلّم به - كما حصل في العراق وفي سوريا وفي كثير من البلدان التي ينهار فيها الأمن وتنهار قبضة الأنظمة البوليسية - أن يحصل اختلال في الأمن وظهور الحركات الإرهابية والإجرامية التي تحاول أن تقوم مقام الدولة، وفي اليمن وفي أثناء الحكم بعد علي صالح، وصل الإرهاب إلى صنعاء وضرب حتى وزارة الدفاع، والمساجد، واغتال الشخصيات والضباط في الشوارع، ولكن ما إن أُخرج عبدربه وحلفاؤه من صنعاء حتى صمت الإرهاب، ولم نعد نسمع حتى ربع عملية ولا حتى محاولة اغتيال!
من المعروف أن مَن غادر صنعاء هي فقط القيادات، وبقيت العناصر الفاعلة في الأمن والجيش فاعلة حتى اليوم، فكيف تحوّل الأمن بهذا الشكل فقط لمجرد تغيير القيادات العليا؟ الرسالة السياسية التي تقدّم للناس أنه صنعاء في حكم علي صالح، وحلفاءه، آمنة، ولكن حين يحكم غيره فإنها ستتحول إلى إرهاب وخراب.
تفجير المساجد التي قيل إنها تتبع الحوثيين، وتم اكتشاف أن أغلب من ماتوا في العملية لا علاقة لهم لا بالحوثيين ولا بسواهم، وأنهم من الناس العاديين، كان الهدف هو صبّ زيت الفتنة على نار الحرب والدفع بالحوثيين نحو مغامرة ملاحقة هادي إلى الجنوب، وهذا بالفعل ما تم، وهكذا حقق التفجير هدفه السياسي عبر إشعال الحرب لتصل إلى ما وصلت إليه الآن.
وفي العام 2015 تم تفجير سيارات مفخّخة داخل حوش أحد قيادات «المؤتمر» المقرّبة من علي عبدالله صالح، وهو الأمر الذي يعزز فكرة توظيف الإرهاب لتحقيق أهداف سياسية أكثر من كونه وجوداً مستقلاً بذاته.
يصمت الإرهاب في الجنوب فترات طويلة، ثم يعود لا يعرف كيف يغيب ولا كيف يأتي ولماذا يغيب ولماذا يظهر. لا يمكن أبداً فهم الإرهاب وطبيعته دون ربطه بالواقع السياسي، والأمر يحتاج إلى دراسات معمّقة لا تعتمد فقط البحث في الأدلة المادية، ولكن يمكن أيضاً فحص الخطابات، سواء خطابات الجماعات الإرهابية أو خطابات السياسيين الذين يوظفون الإرهاب، فلعل ذلك قد يساعد على فهم الإرهاب من أجل مواجهته؛ لما فيه مصلحة اليمن والعالم.
التعليقات