سيكتب المؤرخون الأحداث التي نعيشها في اليمن، كل طرف سيكتبها من منظوره وقناعته أو ولائه وانتمائه.
والمنتصرون دائماً مَن يكتبون التاريخ فيجعلون من شخصية ما فاشياً أو بطلاً، ثائراً أو خائناً، وسيوثقون الأحداث والمعارك، ويوثقون الأرقام التقديرية للخسائر والضحايا.
كان من الممكن في الماضي تزوير التاريخ أو إخفاء بعض تفاصيله، والاجتزاء منها، وتجيير تفاصيلها باتجاه معين، لأن فرص التدوين وإمكانيات التوثيق محدودة، وهناك من يتحكم بها، لكن في ظل ثورة المعلومات والطفرة التكنولوجية لم يعد التوثيق حكراً علی أحد، فالمواطن العادي بهاتفه أصبح يوثق ويصور ويحتفظ بالمادة أو ينشرها.
ومع ذلك ربما ننتظر سنوات طويلة لنعرف جوانب الحقيقة وتفاصيل الأحداث، ولا ندري ما الذي ستحتويه كتب التاريخ عن المرحلة التي نمر بها في اليمن!
لكن الحرب ليست فقط معارك وقتلی وجرحی، ثمة وجه آخر لتأريخ وتدوين الحرب لا يهتم له المؤرخون لكنه ربما المساحة الوحيدة التي لو دونوها لما اختلفوا علی تفاصيلها.
الإنسان في ظل الحرب وبعيداً عن كل الأسماء المعروفة زعماء وقيادات مسؤولين مدنيين أو عسكرين رؤساء وأسرهم، دعونا نتحدث عن النساء والأطفال، وذوي الاحتياجات الخاصة، الفقراء، والنازحين، المسنين، المرضی ونزلاء المستشفيات أو السجون، كيف تمر عليهم ساعات وأيام الحرب؟
صور موجعة، وحكايات صادمة تحكي كيف أن الحرب بشعة بكل المقاييس.
في الحرب لا تتحدث عن اتفاقية جنيف ولاحقوق الإنسان جريحاً أو أسيراً أو محاصراً أو مقتولاً، نشوة التمكن ورغبة الانتقام تطغی علی كل قانون أو خلق أو حتی «قبيلة».
كانت المعارك ضارية وأصوات الانفجارات تهز العاصمة ولا تفاصيل، والإنترنت في أسوأ حالاته يعمل خمس دقائق ثم يتوقف ساعة، حالة من القلق والترقب والخوف تجتاح الجميع، وكم هو سيء في الحرب أن تظل حبيس منزلك لا تعلم إن كنت ستعيش ليوم آخر أم لا، دوي الانفجارات وشدتها يجعلك تغمض عينيك وكأنك تحمي نفسك وتظن أنك لو فتحت عينيك ستجد كل ما حولك ركام وأنت الوحيد علی قيد الحياة، وفوق كل هذا لا تعلم ما يحدث وليس لديك معلومات أكيدة عن شيء، مدونو التاريخ لايكتبون ذلك.
حوصر سكان المربع الذي دارت فيه الاشتباكات بل لنقل الحرب بكل ما للكلمة من معنی والتي بدأت فجأة ونفذ ما لديهم من ماء وطعام، قتلهم الخوف، وكم من شخص خرج مضطراً ليؤمّن لأسرته ماء أو طعاماً، لكنه قنص وفاضت روحه ولم يعد.
سيدة زوجها معتقل داهمها طلق الولادة وحيدة في بيتها لا أحد يعلم كيف استقبلت مولودها؟
كتب التاريخ لن تذكر ذلك، ستقول أن معركة دارت وانتصر فيها طرف.
مئات محصورين في منازلهم في حالة رعب لا توصف والقذائف تعبر من فوق رؤسهم والحرائق تنشب أمام أعينهم، لن تسجل كتب التاريخ ذلك.
حوصر المكفوفون لثلاثة أيام في دارهم ثلاثة أيام لا يسمعون إلا القصف والقذائف وأصوات الرعب والاستغاثة ولا حيلة لهم وكذلك حدث للمعاقين حركيا إلی أن تم إجلاؤهم، هل سنجد سطورا في كتب التاريخ تحكي ذلك؟
في تعز للعام الثالث يعيش السكان تفاصيل حياتهم تحت القصف من السماء والأرض ينفذون بأرواحهم وقد لا ينجون، يتوزعون بين قسمي المدينة المنكوبة وقد يمر العام ولا يلتقي أفراد الأسرة الواحدة بعد أن كانت تفصل بينهم دقائق معدودة بالسيارة، أما الآن فالوصول للقسم الآخر مخاطرة يجب أن تحسب بدقة، عندما ماتت ماجدة في قريتها سافر أهلها عشرون ساعة ليلقون عليها نظرة الوداع قبل دفنها لكنهم فشلو ا في الدخول وبعد محاولات يائسة سلمت أمها وأخوتها أمرهم لله واتصلوا بأقاربهم أن يشيعوها لمثواها الأخير، وعادوا من دون حتی توديعها، لن تسجل كتب التاريخ ذلك.
بعد مواجهات ثلاثة أيام سمح للسكان بالمغادرة، وكان هذا طوق نجاة، من غادر ألقی علی منزله نظرة وهو لا يعرف هل سيعود إليه؟ هل سيقصف؟ هل سينهب؟
حتی في الحرب ومع كل الخوف والرعب يحتاج الناس الطعام والماء والدواء، وتدبير كل ذلك ليس بالأمر السهل ولا الآمن، وخصوصاً عندما تغلق البقالة والفرن ومحطة تنقية الماء أبوابها سيكون عليك أن تعرض حياتك للخطر، أو تنتظر هدنة إنسانية لكن القناصة لا يعترفون بشيء اسمه هدنة.
أن تكون مريضاً وتحتاج للإسعاف أثناء الحرب فليس أمامك إلا التعايش مع الألم، لكن نفاذ أدوية ذوي الأمراض المزمنة كالقلب والربو والسكر كارثة، محمد مات لأنه لم يذهب لجلسات غسيل الكلی لاحتدام المعارك وخطورة الخروج للمستشفی، هل ستسجل كتب التاريخ ذلك؟
للحرب وجه آخر تلك بعض ملامحه، وهي التي تقول لنا ما هي الحرب، ومن يكتوي بنارها ومن يدفع الثمن؟ وهذه المساحة التي يجب أن تدون بكل تفاصيلها، أوجاعها ومآسيها مهما كانت صادمة ومؤلمة..