كان لدى علي صالح فرصة زهيدة سانحة لـ«يدخل التاريخ من أوسع أبوابه»، طبقاً للعبارة الأثيرة التي أحب الرجل أن يمتدح بها طيلة سني حكمه الـ33، إلا أنه أخلد لموقعه الطبقي كأهم رمز بين رموز سلطة سيطرة كمبرادورية وظيفية أطاحت بها ثورة 21 أيلول الوطنية التحررية.
قال صالح مراراً وتكراراً إنه سلم كرسي الرئاسة في فبراير 2012 طواعية بغية حقن دماء اليمنيين، ثم برز بصورة دراماتيكية صادمة، الجمعة الفائتة، كـ«مايسترو»، لأخطر مخطط تخريبي خياني استهدف اليمن وشعبها منذ بدء العدوان في مارس 2015، وكان نجاحه كفيلاً بتدشين أغزر وأبشع حمامات الدم على مستوى شرقنا العربي وحتى أفريقيا.
بات جلياً اليوم المغزى الموارب لمقولة «أنا لم أدخل الحرب بعد ولا أقودها، ولو قدتها شخصياً لحسمتها في وقت وجيز"، وهي مقولة أدلى بها صالح، واثقاً ومباهياً، لأكثر من وسيلة إعلامية وحوار متلفز، في فترات متباعدة من عمر العدوان على اليمن.
إن «الحرب» التي نفى الرجل قيادته لها، وجزم بقدرته على حسمها سريعاً فيما لو قادها، ليست بطبيعة الحال، حرب شعبنا الشريف ضد تحالف الغزو والاحتلال، وإنما حرب هذا التحالف ضد شعبنا، والتي يعتقد صالح أن واشنطن والرياض راهنتا فيها على أحصنة شرعية هزيلة من «عجين وخبز يديه» ومن مخرجات اسطبله، وكان الأحرى بهما أن تراهنا عليه.
غير خفي أن واشنطن هي المقصودة تحديداً بالعتب المضمر في مقولة صالح الآنفة، فهي من سحبت البساط الوظيفي من تحته بقسوة في 2011 واقتلعته من هجعة ونشوة المكوث الطويل على عرش السلطة، لتضع على سدتها أراجوازاً لا يتمتع بمثقال ذرة من ذكائه هو طبقاً لاعتقاد الرجل في نفسه.
نظر صالح لثورة أيلول 2014 بقيادة «أنصار الله»، والتي أطاحت بخلَفه في الرئاسة والحكومة (هادي وتحالف الإخوان)، بوصفها لا أكثر من فوضى تدلل على خطأ رهانات واشنطن التغييرية، وأنه ما من شيء بعده سوى الطوفان الذي جلب عليها وعلى وكلائها الإقليميين (الخليج وإسرائيل) عدواً راديكالياً لدوداً، ما كان ليتسنى له اجتياح مسرح السلطة قبل 2011؛ أي إبان «رئاسة المخلوع» ووفق تصوره.
كانت السنوات الست لعلي صالح خارج السلطة تشفياً محضاً وشماتة شبقة في خلفائه عليها، تغذيها الاضطرابات وتفاقم الانفلات الأمني والتردي المعيشي، وكان يقينه أن «سلام الله على عفاش» التي راج تداولها في الشارع اليمني حينها، ستجعل أمريكا تردد متحسرة: «وفي الليلة الظلماء يفتقد البدرُ».
لم تخالج (صالح) ذرة شك في أن الولايات المتحدة ستعاود تجديد البيعة له، وبات يقينه هذا أكثر رسوخاً عقب وقوع عاصمة الحكم في يد ثورة أيلول وقيادتها الأنصارية.
كان تجديد البيعة الأمريكية له مسألة وقت في نظره، وقد رن جرس هاتفه الشخصي بالفعل، بتوقيت اشتداد مأزق تحالف قوى العدوان على وقع إخفاقات آلته الحربية العسكرية والاقتصادية في إنجاز مهامها وانفراط الوقت.
اعتقد صالح أن بوسعه تلبية الحاجة الشعبية إلى وقف العدوان من جهة، وإزاحة «أنصار الله» من جهة مقابلة، كحاجة أمريكية في الآن معاً، وبذلك يصبح موضع رهان الداخل والخارج كبطل أفلح في اللعب بالبيضة والحجر.
تلك أدنى المقاربات إلى الصواب لتناقضات رجل مهووس الذات استخف شعبه فلم يطيعوه، واستخف بصلابة وقوة ثورة أيلول الشعبية ورسوخها في تراب الثوابت الوطنية، فانطوت صفحته القديمة والجديدة كخائن.