تعاني اليمن - كبلد - واليمنيون الويلات. فالصراع الكالح منذ حرب 21 سبتمبر العام 2014، وهي حرب متسلسلة، تجسد الوضع الكارثي للصراع منذ عقود. كارثة حرب أنصار الله (المتحالفين مع جيش صالح وأمنه)، هي ذروة هذه الكوارث الممتدة. خطورة الحرب الأهلية، أنها جرَّتْ التدخل الخارجي مأزق الحربين: الداخلية، والخارجية، الاقتتال على حكم البلد، والسيطرة عليها ليس غير.
الأطراف الداخلية: الشرعية، وأنصار الله يستدعيان الصراع الإقليمي: الإيراني- السعودي؛ مما حول اليمن إلى ساحة صراع إقليمي ودولي، لا يُراعي فيها، ولا يهتم بالحالة الإنسانية التي وصلت إليها اليمن، بل هو السبب الرئيسي في تأجيج الصراع ووصوله إلى الكارثة.
إنها حرب «مأجورة» بامتياز. الحضور الإقليمي، والمطامع الدولية، وتصفيات الحسابات، واستعراض القوة، وحرب النفوذ، تتخذ من اليمن (البلد الجائع والمحروم) ميدان قتال، ومن اليمنيين أدوات حرب ضداً على أنفسهم وبلادهم.
التقارير الدولية، والمنظمات الحقوقية والإنسانية ووكالات الأنباء، تصنف اليمن كأسوأ بلد على وجه الأرض من كل النواحي. فالمشردون أكثر من ثلاثة ملايين داخل بلدهم، يفتقرون إلى المأوى، والمأكل، والمشرب، والعلاج، والأمن، في بلد محروم، وجائع، ومحاصر، يحتاج هو أيضاً إلى كل ذلك.
المجاعة تتجاوز الثمانية مليون، منهم عدة ملايين تحت خط الفقر. ملايين من الأطفال مهددون بالموت جوعاً. عدة مدن كبرى مهددة بالجفاف. ملايين السكان يفتقرون إلى مياه شرب نقية. الأوبئة الفتاكة التي انقرضت في العالم، واختفت من اليمن، منذ عقود، عادت تفتك بالمئات والآلاف: الكوليرا، والدفتيريا، والملاريا.
القتلى في الحروب وبالأوبئة بالآلاف، والجرحى مئات الآلاف. قبل أكثر من ثلثي قرن انتقد الأحرار اليمنيون (الحركة الوطنية الأم في الشمال) الثالوث الشرير: الفقر، والمرض، والجهل. وقامت الثورة اليمنية سبتمبر 62، وأكتوبر 63 ضد الرجعية، والاستعمار، ومخلفاتهما: (الثالوث الشرير).
الحالة الراهنة اليوم، في مطلع القرن الواحد والعشرين، أسوأ بما لا يقاس عما كان الحال عليه في عهود الرجعية والاستعمار. فنسبة الفقر تتجاوز الـ 80%، والأمراض الفاشية طالت مئات الآلاف، وتهدد الملايين. والجهل الذي كادت ج. ي. د. تتخلص منه في الثمانينات، عاد بصورة فاجعة. فالأب والأم متعلمان، والأولاد أميون بالمعنى الأبجدي!
دعاوى حرب الشرعية في اليمن كاذبةٌ من الألف إلى الياء. فالحرب ليست معنية بعودة الشرعية، ولا بالدولة الاتحادية الديمقراطية، ولا بمخرجات الحوار. القادة همهم إطالة أمد الحرب، والاستفادة من غنائمها وعوائدها، والسعودية همها تفكيك البلد، وقضم أطرافها، والاستيلاء على الجزر والموانئ. هذا هو الهدف المشترك لقيادة التحالف العشري، وتحديداً السعودية والإمارات.
الشرعية التي انتخبها الشعب - في أول انتخابات حرة وديمقراطية - مخلولة ومعاقة، وإن كانت هناك شرعية، فماذا تبقى منها بعد تحويل اليمن إلى ركام من الدمار، شأنها شأن شقيقاتها العربية: سوريا، وليبيا؟
المفكر الصحافي أحمد بهاء الدين، يناقش في كتابه المهم «شرعية السلطة في العالم العربي»، فيرى: أن الشرعية هي أكثر الشروط حاجة إلى الإيضاح والتفسير، ذلك أنها تختلط من الوهلة الأولى بـ«القانونية »، أي بالجانب القانوني والشكلي للشرعية، في حين أنها في مجال فلسفة السياسية والحكم، أوسع من ذلك وأعمق في معناها ومغزاها.
المفكر السياسي ماكس ويبر يقول: « من دون الشرعية، فإن أي حكم أو نظام يصعب عليه أن يملك القدرة الضرورية على إدارة الصراع، بالدرجة اللازمة لأي حكم مستقر لفترة طويلة». وهذا صحيح، فالشرعية في عمقها وجوهرها، تعني مدى كفاءتها، وحسن أدائها، وقدرتها على إدارة الصراع الاجتماعي في البلد. والإنجاز الاجتماعي الاقتصادي السياسي الذي يحققه. فاقتناع الشعب - كرؤية بهاء الدين - بأحقية السلطة، وجدارتها، هذا الاقتناع هو جوهر الشرعية ومغزاها، لا تغني عنه كل أشكال السطوة والرهبة والنفوذ، حتى ولو أحاطت نفسها بعشرات الدساتير والقوانين. وأضيف أيضاً: حتى لو اعترفت بها كل دول العالم، ودعمتها مختلف القوى الدولية. إن غياب السند والقبول والدعم الشعبي هو الجوهر والأساس في غياب الشرعية.
الشرعية ليست نصاً شرعياً صريحاً أو مؤولاً، ولا تفويضاً إلهياً - كما يعتقد أصحاب ولاية الفقيه - ولا تتحقق عبر الانقلاب العسكري، إن لم تتحول إلى ثورة شعبية حقيقية تعبر عن إرادة الشعب، وتحقق المطالب والإرادة الشعبية في الحرية والعدل الاجتماعي.
ويرى الباحث الأمريكي، مايكل هدسون، صاحب كتاب «البحث عن الشرعية في العالم العربي»: إن أكبر عقبة في طريق الشرعية، هي عدم المساواة بدرجة كافية. فإحساس المواطنين بالمساواة شرط أساس للقبول والرضا. والمساواة هنا، تتضمن معنى العدل والإنصاف، والجدية في صنع القرار المعبر عن الإرادة العامة للشعب، والتوافق بين الحاكم والمحكوم، أو ما يسميه روسو «العقد الاجتماعي». فالشرعية - حتى عندما يعطيها الشعب، عبر الرضا العام في مراحل معينة من حروب التحرير، أو الانقلاب العسكري المتحول إلى ثورة (أنموذج الثورة المصرية 1952)، على الرغم من مأخذ غياب البعد الديمقراطي - فإن هذه الشرعية، لا تعني صكاً على بياض أو تفويضاً مطلقاً، وزواجاً كاثوليكياً. إنها شرعية محددة بزمان، وبإنجازات يحددها شرط العقد الاجتماعي. فالشرعية توكيل للحاكم، لإنجاز مهام سياسية واقتصادية واجتماعية محددة ومتعينة، تسقط الشرعية بمجرد التنكر لها، أو العجز عن إنجازها.
عبدربه منصور، انتخب بالتوافق بين مختلف القوى السياسية والمجتمعية، لتحقيق الانتقال - بحسب مبادرة التعاون الخليجي - وتنفيذ مخرجات الحوار الوطني، وإعداد الدستور الديمقراطي. صحيح أنه جرى انقلاب صالح، وأنصار الله، وأشعلوا الحرب، لكن التدخل السعودي، وتدمير الكيان اليمني الضعيف والهش، والدعم الإيراني لأنصار الله - قد حول الحرب إلى صراع إقليمي سعودي - إماراتي، مباشر ومكشوف، وإيراني يتجسد في دعم مليشيات أنصار الله، ومدها بالخبرات والدعم. كلا الطرفين يزيد الحرب اشتعالاً، ويحرصان على استمرارها، خدمة لصراعهما في غير منطقة عربية. فتحولت الشرعية إلى أداة في صراع قراره بيد الممول.
تقرير الأزمات الدولية، يؤكد وجود ثمانية مليون يمني على حافة الجوع، ومليون مصاب بالكوليرا، وثلاثة مليون نازح. ويتوقع تقرير الأزمات الدولية، استمرار السعودية في تصعيد الحرب التي يدفع ثمنها المدنيون اليمنيون.
تقارير دولية، ووكالات أنباء، ومنظمات مدنية وحقوقية، تؤكد أن الضحايا في صفوف المدنيين أكثر من القتلى في صفوف المقاتلين. وقد دمر القصف الجوي مدارس ومستشفيات وأسواق وأحياء شعبية ومساكن وجسور، في مناطق بعيدة عن الحرب، إضافة إلى الحصار الداخلي بين المدينة والمدينة، والقرية والأخرى. والحصار المضروب على مدنية تعز لأكثر من عامين، ثم إغلاق مطار صنعاء، وميناء الحديدة المنفذين الوحيدين في شمال اليمن، وحرمان صيادي تهامة من الاصطياد بسبب قصف الطيران لقواربهم، مما تسبب في تجويع أكثر من مليون مواطن يمني.
الشرعية وأنصار الله هما طرفا الحرب ضداً على بلدهما وشعبهما، ولا يعيران نتائج الحرب الكارثية أي اهتمام. فهما غير معنيين بالحصار الداخلي والخارجي الضالعين فيه، ولا هما مكترثان بعدم صرف مرتبات الموظفين والجنود، حتى المحاصرين في تعز والمتواجدين في الجبهات، ولا يحسون مجرد الإحساس، بما يجري في بلد يحكمونه، ويتشاركون مع الأطراف الإقليمية في تدميره، واقتراف جرائم حرب وضد الإنسانية ضده.
هذه الحرب على اليمن تقترب من تخوم حرب الإبادة.
التعليقات