لقاء الرئيس صالح الصماد المتلفز مع نائب المبعوث الأممي، معين شريم، دشنت ثورة شفافية في التغطية الإخبارية الرسمية لنشاطات الكواليس الرئاسية، حيث الرجل الأول في السلطة، يضع قلبه ولسانه وخطابه لسياسي، بين يدي شعبه، بلا مواربة أو لغة اختزالية هجينة مخاتلة، تتولى وكالة الأنباء تعبئتها في «كليشة» جاهزة.
للمرة الأولى في تاريخ العمل الدبلوماسي، يجري إشراك الشارع الشعبي كطرف أصيل في لقاءات الحجرات المغلقة، التي كانت صلتهم بها لا تتعدى صورة عابرة مجتزأة في النشرات الرسمية، مشفوعة بخبر من بضع كلمات مصمتة ميتة، تخبر المشاهد بأنه «جرت خلاله مناقشة الوضع في اليمن والمنطقة وسبل تعزيز التعاون بين... وبين...».
حساسية الظرف وصدقية القيادة السياسية في تمثيل مطالب الشعب، أملت عليها وضعه في قلب الصورة لا هامشها، باعتباره صاحب المصلحة من كل ما يجري.
يحدث هذا، في زمن ثورة 21 أيلول الشعبية بحق، وعقب وأد الفتنة التي استثمر خلالها التيار الخياني، في المسافة الرمادية بين الأنصار والشارع بصورة قبيحة، بغية إيغار صدر المواطن حيال الثورة، وتقديم شخوصها في صورة تجار شنطة، يقولون في الضوء ما لا يفعلونه في العتمة.
يحدث هذا، في زمن ثورة أيلول، حيث يقف الرئيس اليمني، واثقاً مشرئب العنق، معتداً بذاته وشعبه، وصوابية توجهه وعدالة قضيته، ليخاطب المجتمع الدولي، من موقع الند، لا من موقع الدون.
كنا ومازلنا منفتحين على دعوات الحوار والحل السياسي، بذات المحددات التي خضنا تحت سقفها محطات التشاور السالفة، من جنيف الأولى والثانية، انتهاء بمشاورات الكويت، وهي محددات تضمن الحد الأدنى من حقوق شعبنا، بما تقدمه من تنازلات مجحفة، نزلنا عندها حقناً للدماء، وتقديراً لمعاناة الشعب. يقول الرئيس الصماد ويؤكد بنبرة قاسية، من حيث سطوع دلالتها «على العالم ألا ينتظر اليوم الذي نعلن فيه استسلامنا، فهو لن يجيء...».
وفيما إذا اختار العدو المضي في عدوانه، فإننا جاهزون ومستمرون في المواجهة، التي لن يقف خلالها شعبنا المحاصر والمجوع والمغلوب على أمره بعد اليوم، متفرجاً على سفن وناقلات العدو التجارية والنفطية، تعبر قيد بصره، وسيرد بمبدأ «عليّ وعلى أعدائي».
وتحدث الصماد منتقداً الدور الأممي السلبي والمنحاز والمتواطئ في الغالب، مثبتاً للمنظمة الأممية، دوراً نسبياً على المستوى الإنساني لا غير، وهو حديث يعي من خلاله الرئيس، تماسات الأدوار وحدود الذات مع الآخر، من دون افتئات كيدي لوزنه أو إطراء مبتذل متودد له بما لا يستحقه وليس فيه.
جاء رجل المخابرات الإماراتي، معين شريم، ليسبر مستويات الضعف الذي لحق باليمنيين، بعد ثلاثة أعوام من العدوان، وما إذا كانوا أنضج من ذي قبل، للنزول عند مشيئة التحالف، بما يتيح لهذا الأخير تعويم ألمه بالألم اليمني دون مكاشفة، بما لحق به من هزال وخور، وما هو عليه اليوم من ذعر وجودي بعد معادلة «السن بالسن»، ووأد فتنة ديسمبر التي وضع في سلتها، آخر بيوض رهاناته على قلب موازين الاشتباك، لجهة تحقيق نصر سهل وزهيد الكلفة في اليمن.
في الحافزين الآنفين، تتمحور مهمة شريم، وقد ارتطمت بقسوة على حائط الخيارات اليمنية الصلبة والواضحة، التي أوجزها الرئيس صالح الصماد في لقائه به، ملقياً بالكرة في ملعب الآخر العدو، والآخر الأممي والدولي، ليقرر العالم مجتمعاً، مسار الاشتباك مع جلاء المردود والتبعات، سلباً وإيجاباً لكل خيار يعزم المضي فيه وتشجيعه.
تؤكد وزيرة حقوق الإنسان، علياء الشعبي، في حديث خاص مع الكاتب، أن ثمة جدية في إحياء المفاوضات، وفق ما استخلصته من لقائها نائب المبعوث، الثلاثاء الفائت، وهو لقاء جرى بطلب من معين شريم، ما يعني أن الأمم المتحدة، هي من تطرق الأبواب وتقارب أفق الحل هذه المرة، على خلفية التحول النوعي في مسار الاشتباك.
يمكن أن نقرن ذلك أيضاً بنجاح الدفاعات الجوية اليمنية، في إسقاط طائرة «تورنيدو» وإصابة «إف 15» تابعة لتحالف العدوان، أثناء تواجد المبعوث الأممي في العاصمة اليمنية صنعاء. إن لذلك دلالته، لجهة تعزيز الرسائل الجلية التي وضعتها القيادة السياسية في حقيبة ودماغ معين شريم، بانتظار ما ستسفر عنه خلال الأيام القليلة المقبلة.