مش من مصلحة الحكومات والأنظمة الفاسدة أن تطبق قوانين الشريعة الإسلامية وتقطع أيادي اللصوص، إنها لو فعلت ذلك، فمن سيصفق لها إذن؟!
عندما وازن «بريشت» قديماً بين القانون والعدل، واللصوصية، اعتبر أن القانون هو التسمية المؤدبة للسرقة والقهر، وإن المجتمع يطارد اللصوص الصغار ليحمي لصوصه الكبار.
يحدث أن تخرج حارة بأكملها لمطاردة «لص» سرق حذاء من المسجد. سيمسكوه ويهروه ضرباَ لا ينسيه اسمه فحسب، بل وسينسيه مقاس الحذاء الذي يلبسهُ كمان... لكنهم أمام أولئك الذين يسرقون روحانية المسجد بأكمله، وهم يحولون دور العبادة إلى بيت لتعبئة الأفكار المشحونة بالحقد والكراهية ونسف قيم الحُب والخير والجمال في ديننا الإسلامي الحنيف، فإن المجتمع بأكمله يضرب لهمُ تعظيم سلام ويزيد يمنحهم لقب «مشائخ»!
قبل فترة لا بأس بها، دخل إلى حارتنا لص في منتصف الليل وقلب الحارة رأساً على عقب، وما فيش بيت لم يستيقظ يومها لمطاردة السارق من زقاق إلى زقاق ومن سقف إلى آخر.
كان لص خفيف وسريع ويعمل حركات بهلوانية وهو يهرب، وتمنيت يومها صراحة لو أن لدينا وزارة شباب ورياضة حقيقية، كانت على الأقل ستستفيد من مهاراته في الجري والوثب العالي، ولكان ذلك اللص الآن أحد لاعبي منتخبنا الوطني في ألعاب القوى، لكن اللصوصية التي دمرت كل المواهب، هي نفسها التي أحالت ذلك الشاب الخفيف السريع الى لص دوخ بالحارة.
كان يقفز من فوق السقوف بطريقة أذهلت جميع أهالي الحارة الذين خرجوا يومها من كل دار في مهمة وطنية للإمساك بالسارق.
وكلهم كانوا يطاردوه وهم متشنجين، ولومسكوه طبعاً سيقتلوه... سيخرجون غلهم كله فوق رأسه... بل إنهم سيدفّعونه لوحده ثمن غياب القانون الذي لم يعاقب إلى اليوم أي سارق كبير.
حتى جاري المتزمت الذي كان يردد دائماً بأن صوت المرأة «عورة»، نهر زوجته يومذاك وهو يطارد السارق.
وأما ليش نهرها وصيح فوقها، فذلك لأنها كانت في السقف وشافت السارق يتنبع من سقف إلى آخر ولم تصرخ بأعالي صوتها «سارق سارق امسكوه».
طبعاً الحارة ليلتها احتشدت بالكامل بحثاً عن السارق، وكل واحد جهز عدته للإمساك بالسارق.
الذي أخذ البندقية المعلقة عرض الجدار وخرج يصيح:
- أين السارق امسكوا أبوه
والذي «نتع» الجمبية وخرج يصيح:
- ما هو ما به؟ أين جاء؟ أين سار؟
والذي مشع الصميل وخرج ولا عنتر شايل سيفه.
والذي خرج إلى أزقة الحارة وهو ندمان يصفع خدوده بأسف لأنهُ طلع أهبل وباع البازوكة التي تفيدها من الحرب، كان سيستفيد منها في مهمة مطاردة اللص الذي دخل إلى الحارة.
والذي كان راقد جنب زوجته وسمع صراخ أهالي في الحارة «سارق سارق» وقام هاذيك الساع وهرول سريعاً إلى ديوان البيت وسحب من عرض الجدار سيف الزينة المعلق هناك ونط من بعدها إلى الشارع بسروال النوم ولا أجدع فارس ذاهب في مهمة لاستعادة الأندلس المفقود.
يومها أنا شخصياً رثيت لحال السارق الذي ودف ودخل في معركة غير محسوبة العواقب، ولقد صليت لله كثيراً يومذاك أن يهديه وأن يخارجه من هذه الورطة التي قادته إلى حارة فقيرة وكل أهلها مسلحين وبهم شوق كبير لتطبيق القانون فوق الطارف.
والحمد لله، بعد ساعتين من البحث المتواصل عن اللص تمكن من الهرب واختفى مثل فص ملح وذاب، وعاد الجميع مع صلاة الفجر إلى مواقعهم وإلى بيوتهم سالمين وهم يتحدثون عن إنجازهم العظيم أنهم طيروا بالسارق من الحارة.
وفي اليوم الثاني مباشرة استيقظ أهالي الحارة أنفسهم على جرعة اقتصادية جديدة فصعت ظهورهم وجلسوا من بعدها في أزقة الحارة وهم مبندقين يحرسون الحارة من عودة اللص حق أمس اللي دخل إلى الحارة وغادرها دون أن يسرق شيء!
ومع الوقت طبعاً أقلع اللصوص الصغار عن الدخول إلى حارتنا، غير أن الكارثة الحقيقية هي أن اللصوص الكبار ظلوا يتسللون يومياً عبر شاشة التلفاز إلى كل بيت من بيوت الحارة الفقيرة دون أن يصرخ أحد في وجوههم «سارق... سارق امسكوه».
وعندنا في اليمن عموماً مثل شعبي يقول: «أذن السارق تطِن». وأعرف الآن إن هناك آذان ستطنطن أكثر من ساعة بيج بن.