خطط وبرامج واستراتيجيات ومشاريع عمل، كلها تتحول في يد السياسي إلى شعارات فقط، ويظل عملها على الأرض، نسخة مشوهة من المشروع الذي سبقه. ربما يعد التغيير الحقيقي، الذي بالفعل تحول إلى تشكيل رؤية دولة مختلفة، هو مشروع الحزب الاشتراكي في الجنوب قبل العام 1990، بمعنى تحويل المشاريع والأفكار إى واقع عملي منفذ، بغض النظر عن صحة هذا المشروع من عدمه، وبغض النظر عن مطابقته للمشروع النظري الذي تأسس عليه.
المقصود هنا، من خلال مراجعة سير نظام الحكم في اليمن خلال الستين سنة الماضية، وعلى الرغم من تعدد التشكلات الحاكمة، فإن الوضع العام هو نفسه لم يتغير، والتغيير الكبير الذي كان ينبغي أن يقود تحولاً في حياة اليمن واليمنيين بعد العام 1990، لم يكن إلا تغيراً في الشكل فقط، في حين أن النظام الإشتراكي في الجنوب، هو الوحيد في كل هذه السنوات الذي استطاع أن يحول برامجه إلى آلية عمل غيرت في شكل الحكم ومن شكل الدولة، فما السبب في ذلك، وما السبب في إخفاق كل مشاريع وآليات الآخرين على الرغم من صياغتها النقية والطامحة إلى التغيير؟
كل البرامج تنادي بالحرية والديمقراطية والتعددية واحترام حقوق الإنسان، ولكنها جميعاً لا تقدم لنا نموذجاً معيناً تسعى هذه الأنظمة إلى الاقتداء به أو تنفيذه، يمكن هنا أن أسأل أي سياسي، ما هي نموذج الديمقراطية التي تسعى إلى تطبيقها، هل الديمقراطية الأمريكية؟ أم الفرنسية؟ أم تريد نموذج إسلامي، فيا ترى أي نموذج تسعى إلى تنفيذه، هل النموذج التركي أم الأندونيسي؟ أم ترى أن النموذج ينبغي أن يكون عربياً... فما هو النموذج الملائم الذي تسعى إليه؟
سيقول لك، نريد ديمقراطية تراعي طبيعة المجتمع وثوابته ومعتقداته وتحترم مبادئه، وهو ما يعني أن يتم تفصيل نظام ديمقراطي، ولكن على مزاج الحاكم، أي ديمقراطية بمواصفات صاحب السلطة، لأنه هو المعني بعد ذلك بتحديد ثوابت المجتمع وقيمه ومعتقداته، وأي شيء يخالفها فسيتم تجاوز الديمقراطية، ونكون أمام ديمقراطية بمواصفات خاصة سيحددها الحاكمون، لا المحكومون.
تماماً هذا الأمر يسري على أصحاب الإسلام السياسي، وشعار الإسلام هو الحل، ولكن من دون أن يكون لهم نموذج يمكن الاعتماد عليه، وجعله مساراً واضحاً للحكم، وعلى عكسهم أصحاب التيارات الإسلامية المتشددة كالقاعدة وداعش وغيرها، لديها نموذج جاهز وواضح، وما أن تقع يدها على بقعة من الأرض، حتى تطبق فيها نموذجها في لحظات، وتحول برامجها إلى عمل وشكل دولة جاهز من منظورهم.
يتصارعون الآن على الأرض في اليمن، ببرامج متباينة ومختلفة ولو فحصتها ستجد أنها تنص على الحرية والديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان، بما يعني أن برامجهم متشابهة فلماذا يختلفون إذاً؟ إنهم يختلفون لأن برامجهم ليس لها علاقة بالواقع، فهناك برنامج موجودة على الورق وبرنامج موجودة في رؤوسهم لتشكيل دول قائمة على العلاقات الشخصية والمحسوبية والمحاصصة لتقاسم النفوذ والمال والسلطة فقط، لا يوجد أي نموذج لديهم يسعون إلى تطبيقه في حال وصولهم إلى السلطة، لذلك يفشلون وتتحول برامجهم إلى شعارات فضفاضة تحمال تناقضها في سطورها وتنتج مسوغات الانقلاب عليها إلى غيرها.