تدخل الحرب في اليمن عامها الرابع. يضعف شيئاً فشيئاً اهتمام العالم بهذه الحرب الدائرة في بلد فقير. العوامل الداخلية، والقوى الفاعلة الحية، تزداد ضعفاً لصالح الأطراف الإقليمية المنخرطة في الصراع.

يتزايد التفكك في المناطق المحروبة والمحاصرة، ويتمزق النسج المجتمعي، وتدخل الحرب وتنتشر في جل مناطق اليمن. تتراجع المساعي الدولية لحل الصراع ــ عبر المفاوضات ــ إلى الاهتمام بالجوانب الإنسانية؛ بسبب تعنت أطراف الصراع، وارتهانها للقوى الإقليمية.

الرهان على إبراز كوارث الحرب، وإبراز الجوانب المأساوية لها، وتضميد الجراح هنا وهناك - واجب إنساني ملح، ولكنه لا يُوقف مآسي الحرب الكاثرة والمتناسلة. صحيح أن الحرب تغطي الجانب الأكبر في الجغرافيا اليمنية، وبالأخص في الشمال، إلا أن اليمن كلها مفروضة عليها الحرب، واليمنيين ــ جلهم ــ وقود لها، وآثارها التدميرية تطال كل شبر وكل فرد.

الحالة الإنسانية مأساوية. فاليمن ــ كلها ــ محاصرة، وتتعرض لمجاعة تطال أكثر من 80%، ويوجد أكثر من ثلاثة ملايين مشرد داخل بلادهم. الأوبئة الفتاكة المنقرضة في العالم وفي اليمن منذ عقود تعود لليمن، وتفتك بالمئات والآلاف. يموت كل خمس ساعات طفل. ولو استمرت الحرب ــ لا سمح الله ــ بضعة أعوام أخرى؛ فلن تكون في اليمن طفولة!

التركيز على الحالة الإنسانية ضروري وأساسي، ولكن الضغط الدولي على أطراف الحرب، وبالأخص القوى الإقليمية: السعودية، والإمارات العربية وحلفائهما، وإيران وحلفائها ــ هو الأساس في أي مسعى لوقف هذه الحرب.

الأطراف الداخلية الوارطة في الحرب يتقاتلون كأُجَراء. المطالب السياسية تراجعت كثيراً، والمتحاربون: «الشرعية»، وسلطة الأمر الواقع يتنافسون على تقديم الأنموذج الأسوأ. فالفساد، والاستبداد، والانتهاكات، قاسم أعظم ومشترك بين هؤلاء الفرقاء.

تفلتُ الحرب من أيدي موقديها لصالح الأكثر تطرفاً وتشدداً. في الحروب الأكثر دموية وتوحشاً الأسوأ هو المنتظر. فكلما طالت الحرب، كلما تصدرها الأكثر توحشاً ودموية. أنموذج المحاكم الشرعية، وشباب المجاهدين الأكثر بربرية وتطرفاً (أنموذج الصومال)، وجنرالات الحرب الأفغانية: سياف، ويونس خالص، ودستم، وحكمتيار، ورباني، ومسعود شاه، ثم «طالبان»، و«القاعدة» وما تناسل منهما (أنموذج أفغانستان) ــ أمثلة شوهاء للحرب. فالحرب لا تلد إلا الحرب الأكثر شؤماً وبشاعة. وهو ما أدركه الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى، وعمرو بن معد يكرب الزبيدي. ويتضح أن الشاعر الجاهلي زهير، والمخضرم عمرو كانا أكثر حساسية وإنسانية من جلاوزة شعوبنا ومنظريهم الأكثر بؤساً.

الأطراف الأساسية في بداية الحرب وفي صنع مقدماتها هما طرفا الحكم: صالح، وجيشه، وأمنه ومحازبيه، والقبائل الموالية، والجنرال علي محسن، وأبناء الأحمر، ومعهما «التجمع اليمني للإصلاح».

كان صالح هو من وضع ترتيبات انقلاب 21 سبتمبر 2014 بالتحالف مع «أنصار الله»؛ مستشعراً أنه الطرف الأقوى الذي سينتقم من المنشقين عليه، ثم يتخلص من «أنصار الله». ولكن طول أمد الحرب، ودخول السعوديين والإماراتيين وحلفائهما قلب المعادلة رأساً على عقب.

الوضع الآن، وبعد مقتل صالح، أكثر خطورة، وهو مرشح لإطالة أمد الحرب، وبالتالي ــ أيضاً ــ ظهور قوى أكثر دموية وعنفاً، سواء في الجنوب، أو الشمال.

الأطراف الداخلية: «الشرعية»، و«أنصار الله» - في ظل تصاعد حدة القتال واتساع رقعتها وطول أمدها ــ يصبحون أكثر عجزاً، سواء لصالح القوى الأكثر تطرفاً، أو للطرف الإقليمي الذي يمسك بيده مفاتيح اللعبة، ويجيرها لصالح معركته الأكثر أهمية في سوريا؛ وبذلك تتحول الحرب إلى حرب إقليمية، واليمن مجرد ساحة لهذا الصراع الإقليمي، وتجار الحروب ليسوا سوى مجرد أدوات.

لم يعد المجتمع الدولي مهتماً بالحرب، كما كان الشأن في البداية. فالعالم مشغول بالقضايا الأكثر سخونة وخطورة على مصالحه وقضاياه الكبرى. لم يعد الاهتمام باليمن إلا في الجوانب الإنسانية: المجاعة، والأوبئة الفتاكة، والدمار الناجم عن الحرب الداخلية والخارجية، والانتهاكات، وجرائم الحرب.

تجار الحروب، وهم موزعون على خارطة اليمن، لا يهمهم الدمار الذي لحق باليمن، ولا عدد القتلى، وهم بالآلاف، ولا المشردون، ولا تعطيل الحياة في اليمن برمتها، ولا قطع مرتبات الموظفين، وهم ملايين، ولا استمرار حصار اليمن براً وبحراً وجواً من قبل العدوان الخارجي، ولا الحصار الداخلي، وبالأخص حصار مدينة تعز التي يتعامل معها أطراف الحرب الداخلية والخارجية كرهينة.

أعداء السلام ــ أعداء الحياة ــ يتاجرون بدماء الشعب، ويكدسون الثروات، وينهبون أقوات شعب يموت من الجوع والعطش، وتغور مياه الشرب في العديد من مدنه الكبيرة، بينما تفرض السعودية الحصار الجائر على كل أجوائه وموانئه ومنافذه.

أطراف الحرب، في الداخل والخارج، يتسابقون ويتنافسون على اقتراف جرائم الحرب، وضد الإنسانية، ويتشاركون في إعطاء المبررات لبعضهم، والإيغال في الانتهاكات، ومصادرة حقوق الإنسان، والاختطاف، والاغتيال، والإخفاء القسري، والقتل بالتعذيب داخل المعتقلات. تقارير المنظمات الدولية، وتقارير نقابة الصحافيين تؤكد مقولة السيد المسيح: «من كان منكم بلا خطيئة؛ فليرمها بحجر!!».

منظرو الحرب لا همَّ لهم إلا تجريم وتخوين دعاة السلام. فالسلام هو الخطر الداهم الذي يتهدد اليمن! قبل بضعة أيام قرأت مقالة للكاتب محمد سعيد يسلم يقارن فيه بين دعوة السلام في اليمن، ورحلة السادات إلى القدس؛ غير مدرك أن السادات ذهب إلى إسرائيل بعد أن حقق جيش مصر وشعبها، وشعب سوريا وجيشها أعظم انتصار على الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر، وسلم أوراق اللعبة إلى الرئيس الأمريكي كارتر، وتخلى عن قضية فلسطين. بينما دعاة السلام في اليمن لا يريدون إلا إيقاف تدمير كيان يمني مزقته الحرب، وتدفع به إلى الدمار الشامل.

كما يعمد الكاتب إلى استعادة مؤتمر عمران، وخمر، والجند؛ غير مدرك ــ أيضاً ــ أن من كان يقود هذه المؤتمرات هم المعادون للدعم المصري، الموالون للسعودية، وهم، وهذا هو الأهم، من كان يقود الحرب على الجبهتين: في النهار جمهوريون، وفي الليل ملكيون. يأخذون السلاح من مصر للدفاع عن الجمهورية، ويقبضون الذهب من السعودية للإطاحة بالثورة. وهم اليوم ــ بشخوصهم، وانتماءاتهم، وتحالفاتهم الرجعية والاستعمارية ــ من يشعل الحرب على الجبهتين أيضاً.

إن توزيع التهم والتخوين ثمرة كريهة لادعاء امتلاك الحقيقة، واليقين الثوري، والإيمان السياسي برؤية لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها!

هؤلاء الكتاب المهووسون بـ«الجملة الثورية الفارغة» ــ على حد تعبير لينين ــ لا يعيرون الوقائع اليومية، ولا كوارث الحرب المزلزلة أدنى اهتمام، ولا يلتفتون للبعد القومي للصراع الممتد منذ منتصف القرن الماضي بين الاستعمار، ومعه الصهيونية العالمية، وغرس إسرائيل في قلب الوطن العربي والأنظمة التابعة لها، وبين التيارات القومية، وحركات التحرر الوطني، ويتعامون عن رؤية تأجيج الصراع ضد ثورة الربيع العربي، وإشعال هذه القوى الحروب في العراق، وسوريا، وليبيا، والسودان، ومصر، واليمن.

الإسلام السياسي بشقيه: السني والشيعي، والاستبداد السياسي، والقوميون الشوفينيون - هم موقدو هذه الحروب ضداً على ثورة الربيع العربي في الوطن العربي كله.